دعوة الحق، س. 2، ع 9 / يونيو1959 .................... ص 4
التسامح في الإسلام
أبو الأعلى المودوي، تعريب محمد عاصم الحداد
إذا كان لديك شيء واحد بعينه يقول عنه أنه رجل أبيض، والثاني أنه أسود، والثالث أنه اخضر، والرابع أنه أصفر، فليس من الممكن لك أن تصدقهم جميعا. وكذلك إذا كان رجل يمدح فعلا ويأمر به، والثاني يذمه وينهى عنه، فمن المحال أن يكون كلا الرجلين صحيح الرأي صادق الحكم على رغم ما بينهما من الخلاف الواضح البين، وأن كل ما يصدق بمثل هذه الأقوال المتضاربة ويقول بصحة مثل هذه الأحكام المتعارضة جميعا، فهو إما يريد أن يترضى الناس جميعا أو إنما يبدي رأيه في الأمور بدون أن يفكر فيها ويجيل فيها النظر ويعيرها ما يقتضي الحكم عليها من الجد والاهتمام، لا يمكن أن يخلو أمره من أحد هاتين الحالتين، وكلتاهما متنافية مع العقل والصدق، الصريح ولا يليق بمن يحب العقل وللصدق في نظره شيء من القدر والقيمة أن يصدق عدة رجال في آرائهم المتعارضة المتضاربة ولو لأي سبب من الأسباب.
يظن الناس أن تصديقهم لمختلف الأفراد في أرائهم وخيالاتهم المتعارضة المتضاربة وتصويبهم لها جمعاء هو التسامح، مع أن الحقيقة أنه ليس بالتسامح، بل هو نوع من أشنع أنواع النفاق، لان التسامح إنما معناه أن نتحمل عقائد غيرنا وأعمالهم على كونها باطلة في نظرنا ولا نطعن فيهم، رعاية لعواطفهم وأحاسيسهم، طعنا يؤلمهم ولا نتوسل بالجبر والإكراه لتحريفهم عن عقائدهم أو صدهم عن أعمالهم. ومثل هذا التحمل وإعطاء الناس الحرية في العقيدة والعمل على هذا الوجه، ما هو بفعل مستحسن فحسب، بل هو، مع ذلك، أمرا لابد منه لاستبقاء الأمن وحسن التفاهم والتعايش بين عدة جماعات مختلفة في عقائدهم ومبادئها وأعمالها. أما أن نكون على عقيدة معلومة الحدود والجوانب ثم نأتي نصدق غيرنا في عقائدهم المتضاربة مع عقيدتنا لمجرد ترضيهم،. . . نكون متبعين لمنهاج خاص ودستور معين للحياة ثم نقول لمتبعي المنهاج والدساتير المختلفة الأخرى أنكم جميعا على حق، فهذا هو النفاق الصريح الذي لا يمكن بأي وجه من الوجوه أن نعبر عنه بالتسامح. أفليس هناك شيء من الفرق بين السكوت رعاية للمصلحة وبين الكذب عمدا؟
إن التسامح الحقيقي المحمود هو ما قد جاء به الإسلام وعلمنا إياه حيث يقول سبحانه وتعالى:" ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم. كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون" ويقول مثنيا على أهل الإيمان: " والذين لا يشهدون الزور (1) وإذا مروا باللغو مروا كراما". ويقول: " قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون (2) ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم (3) ولا أنتم عابدون ماأعبد، لكم دينكم ولي دين" ويقول: " لا إكراه في الدين" ويقول: " ويدرؤون ـــ أي المؤمنين ـــ بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين" ويقول فبذلك فأدع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لا عدل بينكم. الله ربنا وربكم، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، لا حجة بيننا، الله يجمع بيننا وإليه المصير" ويقول: " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن".
نعم، إن هذا هو التسامح الذي يمكن أن يميل إليه ويختاره رجل سليم الفطرة يحب الحق ويؤثر الصدق. إنه يبقى تابثا على عقيدته التي يراها صحيحة بصدق وإخلاص وإيمان ويظل متمسكا بها بكل شدة بل
1 - الزور هو الكذب والباطل، مما يعارض الحق وينافيه. فمعنى لا يشهدون الزور أنهم لا يزورون بقصد منهم أماكن ترتكب فيها أعمال الشرك والكفر والظلم والفسق أو يجهر فيها بآراء الإلحاد أو يعبد فيها من دون الله أحد من بني آدم أو مخلوق آخر
2 - بالنسبة للحال
3 - بالنسبة للمستقبل