تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أنا فأعبد ون" وأنه ما قال واحد منهم لقومه أن الذي أعرضه عليكم وأدعوكم إليه هو من نتائج فكري وعقلي، بل قد ظلوا جميعا يقولون لأقوامهم " وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المومنون وما لنا أن لا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا" وأنه ما دعا واحد منهم قومه إلى عبادته وإنما دعاهم إلى عبادة الله ربه وربهم " ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين".

فهذا هو التعليم المشترك الذي جاء به إلى جميع الأمم زعماؤها الدينيون. ومن بيان القرآن الحكيم أن الناس ما كانوا جميعا في أول أمرهم إلا أمة واحدة، أي كانوا على حالة إنسانية فطرية خالصة بعينها وكان قد جاءهم من الله العلم بصراطه المستقيم (4)، ثم ظهر فيهم الاختلاف لا لشيء إلا لأن بعضا منهم حاولوا الخروج من حدهم المشروع والحصول على مرتبة أعلى من مرتبتهم الفطرية والإقامة لأنفسهم حقوقا أكثر من حقوقهم الفطرية. فهناك شرع الله سبحانه وتعالى يرسل إليهم رسله ليعطوهم العلم الصحيح بالحق ويقيموا بينهم العدالة الاجتماعية. وتلك كانت رسالة جميع الأنبياء في الدنيا، فالذين تلقوها بالقبول واتبعوا ما أعطاهم نبيهم من العلم إتباعا صحيحا كاملا واهتدوا بهديه، هم وحدهم على الحق وليس غيرهم كائنا من كان، إلا على الباطل، سواء أكان ممن أبوا إتباع النبي أو ممن حرفوا تعاليمه وبدلوها حسب أهوائهم وأغراضهم الشخصية. ففي ذلك يقول عز من قائل: " وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا" يقول: كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس في ما اختلفوا فيه، وما اختلفت فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين أمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم" ويقول " لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان (6) ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس" ويقول " فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى".

فهذه هي نظرية القرآن في التاريخ ـــ أو تعبيره المعنوي للتاريخ ـــ التي تحل لغز الخلافات الدينية مثل ما تحل لغز الخلافات المدنية بكل سهولة وبها يتبين لنا بكل وضوح أن أنبياء الله ما جاءت إلى مختلف أمم الأرض إلا ليرجعوها إلى منهاج الحياة الفطري الذي كانت قد انحرفت عنه لأجل بغيها، ويقيموها على طريق الحق والعدالة الاجتماعية، ولكن مازالت عاطفة البغي، تلك العاطفة التي كانت السبب الحقيقي لضلال هذه الأمم، تحرفها مع ذلك مرة بعد مرة من جادة الحق وتوجهها إلى الطريق المعوجة. فالبقية الباقية من التصورات الصحيحة ومبادئ الأخلاق المستقيمة، التي قد توجد اليوم عند مختلف أمم الأرض، أن هي في حقيقتها إلا آثار باقية لتعاليم الأنبياء عليهم السلام أبت إلا البقاء في أذهان هذه الأمم والانجذاب إلى حباتها لحيويتها الذاتية.

ثم أن الدعوى التي يعرضها القرآن بعد هذا، هي أن الإسلام الذي يدعو إليه الناس ما هو إلا ذلك الدين الحقيقي نفسه الذي مازالت جميع الأنبياء السابقين يدعون إليه الأم البشرية المنتشرة في مختلف بقاع الأرض منذ بداية الأمر، وأنه ما جاء محمد صلى الله عليهم وسلم برسالة جديدة لا عهد بها للبشرية من ذي قبل (قل ما كنت بدعا من الرسل)

4 - مما يجب أن يلاحظ بصفة خاصة في هذا المقام أن من بيان القرآن الحكيم ــــ على العكس من نظرية الارتقاء وفلسفة التاريخ الإنساني في هذا الزمن ــــ أن النبوغ البشري ما بدا حياته على وجه الأرض في ظلمة الجهل، بل بدأها في ما أعطاه الله من نور العلم، فقد أكرم سبحانه وتعالى آدم وهو أول إنسان على وجه الأرض، برسالته وأعطاه بطريق الإلهام من العلم ما كان ضروريا للإنسان لقضاء حياته على وجه الأرض وفقا لمرضاته وقانونه.

5 - معنى كلمة " البغي " المستعملة في هذه الآية محاولة اعتداء الحد المشروع وتجاوزه، فالذي يقرره القرآن أساسا لكل ما يتورط فيه الناس من الضلال الاعتقادي والتظالم الاجتماعي، هو أن بعضهم يحاولون اعتداء حدودهم المشروعة الفطرية، فمنهم من يتخذ نفسه آلها لغيره ويأمرهم بعبادته، ومنهم من يتجرأ على اتخاذ نفسه إلها لغيره ولكن يظهر بمظهر السادن أو الحاجب أو الخادم لصنم أو إله خيالي ثم يفرض على الناس طاعته والاعتراف بسلطانه متوسلا بهؤلاء الآلهة، ومنهم من ينصب نفسه حاكما دينيا للناس ويحتكر عليهم نجاتهم وفلاحهم وهكذا ينجم في الدنيا قرن البرهمية والبابوية، ومنهم من يستغل غناه المالي وحالته المترفهة الناضرة ويجعل منهما وسيلة لاختيار عدة صور لسلب الناس أموالهم. وجملة القول أن " البغي" هو الذي يخرج الناس من حالتهم الفطرية ويغرس فيهم بذور الشقاق والاختلاف من الوجهتين الاعتقادية والاجتماعية.

6 - والمراد بالميزان في هذه الآية ذلك النظام الاجتماعي المنتهى في الاعتدال والتوازن، الذي أرسله تعالى إلى الناس بواسطة الأنبياء في صورة شريعته الغراء حتى يقيم بينهم العدل.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٣٨١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٣٨١