تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإنهم يخشون من تعطيل قوتها إذا ما اقتصرت على تأييد الحكومات وتمجيدها.

وتنقسم الصحافة إلى صحافة رأي وصحافة خبر، أي أن هناك صحفا تغلب نشر الأخبار على الاهتمام بالمقالات والتوجيهات، وهناك صحف تسلك عكس هذه الطريقة. كما تنقسم الصحف من حيث اتجاهها إلى ثلاثة أقسام: صحف محايدة ذات طابع تجاري تهتم بالربح ولا تتحمل مسؤولية في قضايا البلاد، صحف مستقلة وهي التي لا تلتزم بمذهب سياسي معين وتحرص على رواجها مهما تغيرت الحكومات، وصحف حزبية وهي التي تدافع عن مذهب سياسي وتهتم بنشاط هيأتها وشرح مبادئها.

المجلة وسط بين الكتاب والجريدة: المجلة الحقيقية كما يعرفها "جورج ديهامل" هي التي تحمل أثرا لكل ما يحدث في العالم من أمور هامة، إذ من واجبها أن تعلق على الكتب وتذكر الحوادث وتحكم على أعمال الرجال وتظهر أخلاقهم. والمجلة أبقى من الجريدة نستطيع أن نرجع إليها في أي وقت لتعطينا نظرة عن الحقبة التي وجدت فيها .. والمجلة تفضل الجريدة كأداة للثقافة الجادة.

ويجب أن نشير إلى وجود مدرستين في الصحافة والمجلات: مدرسة تجارية تهتم بالربح وتعتبر الصحف والمجلات تجارة تدر الأرباح ومن ثم تعتمد على رواجها على الإثارة وتملق الغرائز؛ ومدرسة جادة تعتبر الصحف والمجلات وسائل لتأدية رسالة تثقيفية لها خطرها في تكوين قيم المجتمع وتفكيره.

الكتاب

الكتاب أهم أجهزة الثقافة وأبعدها أثرا، وهو وإن نافسته الأجهزة الثقافية الآلية إلا أنه سيسترد مكانته ويظل في الصدارة، وذلك للأسباب الآتية:

1) كل الشعوب مؤمنة بضرورة القضاء على الأمية ومحو الجهل لتستطيع أن ترفع من مستواها وتنجز مشروعاتها، والكتاب وسيلة فعالة لتعليم القراءة والكتابة.

2) إن تقدم الحضارة بفضل العلوم سيوصلنا إلى الاستغناء عن المجهودات العضلية وسيصبح الاعتماد على الخبرة والثقافة وبذلك سيزداد الإقبال على الكتب كوسيلة لهذه الخبرة والمعلومات.

3) هناك اتجاه إلى تبسيط العلوم ونشرها بين الجماهير حتى تكون على بينة من الاكتشافات النافعة والضارة التي تستغل فيها العلوم، وبفضل هذا الوعي تستطيع الجماهير التأثير في سير حكوماتها والحد من تهالكها على استغلال العلم من اجل تدمير الآخرين. كما أن الكتب تستعمل في تنوير العمال وتبصيرهم بحقوقهم، وتقدم لهم ثقافة مبسطة في أوقات فراغهم.

ورغم هذه الأسباب التي تطمئننا على مستقبل الكتاب فإننا يجب أن نبذل مجهودات منظمة تعجل انتشار الثقافة في مجتمعنا العربي، ويمكننا أن نقترح بعض الدعائم لتنظيم هذه المجهودات:

أول خطوة يتحتم القيام بها هي ترجمة العلوم والثقافات الأجنبية إلى لغتنا العربية باعتبارها إنتاجا قائما على تراث بشري تجمع في العصور القديمة والوسطى وساهم فيها عالمنا العربي والشرقي بنصيب وافر. والى أن تتم هذه الخطوة علينا أن نضع كتبا مبسطة في جميع ألوان المعرفة ونعمل على نشرها بين اكبر عدد ممكن وذلك عن طريق إيجاد مكتبات في كل بلدة وقرية، وترغيب الناس في القراءة والتحصيل.

فعالية هذه الأجهزة

نتبين مما سبق أن أجهزة الثقافة على نوعين: أجهزة آلية وهي الراديو والسينما والتلفزيون والمسرح، وأجهزة غير آلية وهي الكتاب والصحف والمجلات.

وقد بينا أن الأجهزة الآلية للثقافة لا يمكن أن يعتمد عليها في تثقيف الجماهير وان الكتاب هو اضمن وسيلة للثقافة الصحيحة، ومع ذلك يجب أن نلاحظ أن الأجهزة الآلية يساندها قانون بشري عام يتيح لها الانتشار والتغلغل في حياة الناس وهو ما أسميناه بقانون اقل الجهود، الأمر الذي يجعل من الأجهزة الآلية منافسا خطيرا للكتاب والصحف والمجلات .. ومع ذلك فالكتاب يمكن ان يظل الأداة الأولى للثقافة الأصيلة. ومهما حاول الراديو تبسيط المعلومات، ومهما حاول المسرح والسينما تقديم الروائع الأدبية فإنها لا تتيح للمستمع أو المتفرج التمهل ومراجعة النصوص في إمعان لتتم عملية التمثل والهضم، وهنا يجعل الأجهزة الآلية في المرتبة الثانية بالنسبة للكلمة المكتوبة كوسيلة للثقافة الصحيحة.

والمشكلة الهامة التي تتطلب حلا سريعا في البلاد العربية هي الأمية. يتحتم علينا محو الأمية بكل الوسائل ليتمكن مواطنونا من ارتياد آفاق المعرفة ومسايرة العصر الذي يعيشون فيه، كما يتحتم علينا أن نعدل من برامج التعليم بحيث نستطيع تغيير النظرة السائدة عند متعلمينا الذين يعتبرون التعليم في غاية في ذاته.

*

ولئن كانت هناك ملاحظة توجه للكاتب فهي تركيزه في الكتابة واختصاره لنقط هامة من الموضوع .. وهذا الاختصار جعله لا يذكر رأيه الشخصي في المشاكل التي عرضها مثل تأميم الصحافة، فقد ثبت من تجربة التأميم أن الدور الذي تلعبه الصحافة المؤممة اقل مما تؤديه غير المؤممة لأنه يقتل عنصر المنافسة وهو عامل مهم في ازدهار الصحافة.

على أن قيمة الكتاب تتمثل في إثارة هذا الموضوع الحيوي، وإلقاء الأضواء على جوانب منه تتصل بمجتمعنا العربي وتستحق أن يتناقش فيها المفكرون والأدباء.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٣٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٣٥٩