الرواسب المتخلفة من عهود مظلمة تظهر في شكل حزن بائس واستسلام ذليل؟ وهل يمكن الجمع بين الفنون الفولكلورية والفنون الحضارية؟
واكتفى المؤلف بالجواب على هذه الأسئلة بقوله: "كل هذه الأسئلة تتطلب أبحاثا طويلة عميقة يجب أن تتخذ أساسا لرسم السياسة التي يجب ان يسير عليها جهاز ضخم قوي كجهاز الإذاعة وبخاصة في بلد كمصر وغيرها من البلاد العربية التي تحتكر فيها الدولة هذا الجهاز ولا تتعدى فيها تلك الأجهزة".
اعتراضات أساسية: يعترض بعض المفكرين على الإذاعة كوسيلة للثقافة بأن الناس ينظرون إليها على أنها جهاز للتسلية والترفيه، في حين أن الثقافة تتطلب حالة نفسية جادة وتأهبا إراديا لتحصيلها .. وأيضا عنصر الاختيار غير متوفر للمستمع. ويرون كذلك أن الراديو يقتل الفردية وينشر روح القطيع بين الجماهير. ومهما تكن صحة هذه الاعتراضات، فالراديو يمكن أن يستغل -حسب رأي المؤلف- في محاربة الأمية بين الشعوب العربية، وفي الترغيب في القراءة والتعريب بين الثقافات.
السينما
تأتي السينما في الدرجة الثانية بعد الراديو من حيث سعة الانتشار. ويلاحظ أنها يغلب عليها الطابع التجاري، فتسخر لجلب الأرباح الطائلة على حساب الأخلاق والقيم. والسينما -مثل جميع الآلات - يمكن أن تستخدم فيما يفيد كما يمكن أن تستخدم فيما يضر. والملاحظ أنها تطرق مواضيع مبتذلة وتتملق للمتفرجين بإثارة غرائزهم. وقد استطاعت السينما أن تنافس المسرح وتجلب إليها عددا يفوق رواد المسرح والأوبرا، وذلك لأنها تتمتع بإمكانيات ضخمة وتستطيع تصوير اعنف المشاهد واغرب المناظر .. كما أن طبيعتها الآلية تمكنها من فرض نفسها على اكبر عدد ممكن من الناس في مختلف البلدان، بينما يتقيد المسرح بإمكانياته المحدودة التي تعتمد على المجهود المتكرر.
وللسينما التجارية اثر فعال في تدمير الأخلاق بما تعرضه من أفلام بوليسية وما تلجأ إليه من تصوير الأجساد العارية وألوان الرقص الخليع كرقصات البطن في العالم العربي.
ولا يمكن أن تعتبر السينما ضمن أجهزة الثقافة لأن الذين يقصدونها إنما يفعلون ذلك بقصد التسلية. وهناك بعض الأفلام التعليمية التي تنتجها الدول لنشر الثقافة بين شعوبها، وهذه الأفلام تستعين بها الحكومات في مرافق التعليم.
وقد اختلف المفكرون حول السينما فهاجمها ارستقراطيو الفكر وأبعدوها عن أجهزة الثقافة؛ بينما عارضهم الاشتراكيون ورأوا في السينما أداة لنشر المعرفة وكشف الحقائق للجماهير. ومن رأيهم أنها تصلح للتثقيف بعد أن تؤمم أو بعد أن تفرض عليها رقابة من الدولة حتى لا يساء استعمالها.
المسرح
عرف العالم العربي المسرح بمفهومه الصحيح سنة 1848 بفضل التاجر الجوال مارون النقاش الذي ادخله إلى لبنان وسوريا ومنهما انتقل إلى مصر حيث ازدهر وتقدم. ولم يوجد أدب تمثيلي مطبوع إلا في سنة 1927 عندما نشر الشاعر احمد شوقي سلسلة مسرحياته الشعرية المعروفة، كما أخذ الأديبان الكبيران توفيق الحكيم ومحمود تيمور ينشران مسرحياتهما النثرية.
ويلاحظ تطور ملموس في أدبنا التمثيلي بسبب تخلصنا من السيطرة الأجنبية واختفاء الروح الفردية، واتجاه الأدباء نحو تصوير مشاعر الشعب وأحاسيسه، فظهرت فكرة الأدب في سبيل الحياة وانتشر مذهب الواقعية الاشتراكية ... وكل هذه التطورات جعلت الشعب ينظر إلى المسرح على انه أداة للتعبئة الروحية والفهم والتوجيه، فزاد اهتمام الحكومة بشؤونه وأوجدت له لجنة خاصة في المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب بمصر، وتتجه النية الآن إلى إنشاء مسرح شعبي يتجول في الأقاليم والأرياف، ويعرض الروائع الفنية التي تساعد على توعية الجماهير.
والصعوبات التي تعترض ازدهار المسرح في العالم العربي كثيرة منها مشكلة اللغة الملائمة لتأليف المسرحيات إذ أن معظم الجمهور أمي؛ ثم مشكلة اللهجة التي يمكن أن تنتشر من بين اللهجات المختلفة .. ثم نوع المسرحيات التي يجب أن تقدم هل تكون من النوع الغنائي أو الهزلي أو الدرامي؟
الصحف والمجلات
عرفت الصحافة قديما عندما كان الملوك والحكام يبلغون رعاياهم الأوامر والقرارات عن طريق الصحف المخطوطة .. ثم حدث انقلاب كبير في مدى انتشار الصحف بين الناس، بعد أن تم اختراع الطباعة والحروف المتحركة. على أن الانقلاب الذي أعطى للصحافة صفة الذيوع على نطاق واسع هو الذي قام به الصحفي الفرنسي "بول جيراردان" سنة 1938، حينما استخدم الصحافة كوسيلة للإعلانات التجارية، فاستطاعت أن تغطي نفقاتها وان تنوع موادها؛ وبذلك تمكنت من السيطرة على الرأي العام.
ولما أصبح للصحافة هذه السلطة الواسعة كثر الجدال حول نوع علاقة الدولة بالصحافة، ووجد من المفكرين من يؤيدون تأميم الصحافة وخضوعها لإشراف الدولة؛ كما وجد من ناصر حريتها والاحتفاظ بشخصيتها، والمؤيدون لتأميم الصحافة يعتمدون على أن أرباب رؤوس الأموال يتحكمون في اتجاهاتها ويسخرونها للدفاع عن مصالحهم. اما أنصار استقلال الصحافة