دعوة الحق، س2، ع8 /ماي 1959 .................... ص 74
الدكتور محمد مندور في كتابه "الثقافة وأجهزتها"
بقلم محمد برادة
هذا الكتاب مجموعة محاضرات ألقاها الدكتور محمد مندور بمركز التربية الأساسية في العالم العربي، ثم جمعها بعد ذلك في كتاب. والموضوع حيوي جدا لأنه يدرس أساليب التأثير في الجماهير ويحلل وسائل الثقافة المختلفة في العصر الحديث .. فلم تعد الثقافة تصل إلينا عن طريق الكتاب وحده كما كان الأمر في القديم، بل وجدت وسائل متعددة في نتيجة تطور الحضارة الإنسانية وكفاحها ضد المجهول ..
وإذا كان اختراع الكتابة منذ آلاف السنين يعد الفاصل بين التاريخ وما قبل التاريخ، فإن الكتابة لم تصبح وسيلة فعالة في نشر الثقافة إلا منذ القرن الخامس عشر الميلادي عندما اخترع جوتنبرج الطباعة وبذلك لم تعد الثقافة محصورة على المخطوطات النادرة، الغالية الثمن. والى جانب الكتاب وجدت الصحف والمسرح والسينما والإذاعة، وكل هذه الوسائل احتلت مكانة بارزة في حياتنا، وأصبح باستطاعتها أن تؤثر تأثيرا عميقا في الجماهير؛ وهذا التأثير يختلف من حيث النفع والضرر بحسب طبيعة كل منها .. لذلك يستحسن عرض كل من هذه الوسائل ليتضح مدى فعاليتها.
الإذاعة
يعتبر المؤلف هذه الوسيلة أكثر وسائل الثقافة انتشارا بين الجماهير خاصة في العالم العربي حيث لا يمكن أن يوجد مسرح أو سينما في كل قرية مما يساعد على انتشار الراديو. ومما يساعد على انتشار الراديو في العالم العربي، انتشار الأمية، إذ لا تتجاوز نسبة من يعرفون القراءة والكتابة الثلاثين في المائة. ومن بين هذه النسبة عدد كبير لا يستغل ما تعلمه في تثقيف نفسه ومتابعة انتصارات الإنسانية في ميادين العلم والفن، وهذا يرجع إلى عدة أسباب منها:
1) نظرة بعض الحكومات إلى التعليم نظرة مريبة لأنها خشيت أن تيقظ وعي الشعب عن طريق المعرفة، فقصرت مهمة التعليم على أعداد الموظفين الضروريين لإدارة الدولة.
2) استنزاف الاستغلال الداخلي والخارجي لثروات البلاد، مما جعل الميزانية لا تتحمل نشر الثقافة على نطاق واسع، كما أدى إلى انخفاض دخل الأفراد المتعلمين فلم يستطيعوا متابعة تثقيف أنفسهم .. ويضيف المؤلف قائلا: "ومن الواضح انه من العبث أن نطالب من لا يملك رغيفا أن يشتري كتابا، لان الم الجوع الجسمي أوضح وأكثر فتكا بحياة الناس من الجوع الروحي".
3) فساد مناهج التعليم واعتبار القراءة والكتابة غاية في ذاتها لا على إنها وسيلة للمعرفة والثقافة.
ومما يزيد في إقبال الناس على الراديو انه يمثل -مثل السينما والمسرح- اقل الجهود في تحصيل الثقافة، على العكس من القراءة التي تتطلب مجهودا عقليا وعصبيا.
اما عن مدى قدرة هذا الجهاز على تثقيف الناس، فإن المواد التي تقدمها الإذاعة لا تخرج عن مواد ثقافية وأخرى أدبية، وثالثة فنية.
المواد الثقافية: تتمثل في صورة أحاديث ومحاضرات وندوات. ويجب أن تأخذ هذه المواد شكلا مبسطا. والمشرفون على الإذاعة يخطئون عندما يظنون أن تقديم مثل هذه المواد لا يحتاج إلى كبار الأساتذة والعلماء؛ ذلك أن التبسيط لا يقدر عليه تماما.
ويجب أن نلاحظ أن الراديو لا يمكنه أن يقوم بدور القراءة، لان المستمع لا يستطيع أن يسأل أو يراجع فقرة مما يذاع.
المواد الأدبية: تقدم الإذاعة مسرحيات وقصصا وإشعارا وندوات نقد، وكذلك الشأن في التلفزيون الذي يجمع بين المشاهدة والسمع. ويتساءل بعض المفكرين فيما إذا كان التلفزيون والراديو يستطيعان القضاء على المسارح ودور السينما والأوبرا .. وهم يستبعدون ذلك لان الراديو والتلفزيون لا يوفران التأثر والانفعال اللذين تساعد عليهما الاجتماعات البشرية في المسرح والسينما والأوبرا.
المواد الفنية: وتتمثل في الموسيقى والغناء. وفي هذا المجال تكثر المناقشات حول نوع الفنون التي يجب أن يقدمها الراديو ... هل يقدم الفنون المحلية أم الفنون الحضارية العالمية؟ وأيهما أجدى للشعب؟ والى أي حد يمكن الاستعانة بالراديو للقضاء على بعض