الوقائع إلا إن يؤكد تزايد هذه الوحدة واستعصائها على جميع البوادر المضادة وقوتها وتدمير كافة الخطط التوسعية الهادفة إلى تجميد القضية الجزائرية.
وعلى ضوء هذه الاعتبارات يمكننا أن نجد التبرير الكامل لما بدأ على التوسعيين من كلف متهوس بالنيل من تضامن الشعب الجزائري وذلك باصطناع أسباب الشقاق الموهوم داخل الحكومة الجزائرية من جهة وفي قلب جيش التحرير الوطني من جهة ثانية، ومن هنا يمكننا أيضا أن نجد الأصول الحقيقية لما أحاط قصص البطل الخالد "عميروش" والكومندان "عز الدين" و "علي الحنبلي" من ظروف نفسانية مصطنعة اما قصة الأول فقصة بطل قومي كبير استطاع أن يؤدي واجبه كاملا نحو بلاده ثم سقط صريع ذلك الواجب.
وقصة الثاني البطولة النفسية الرفيعة التي ترتفع فوق مستوى الإغراءات ودواعي الضعف والانحلال. اما قصة الثالث فقصة نموذجية لما يصيب بعض النفوس الصغيرة من خور وهوان يتناسبان مع استعدادها الطبيعي الحتمي.
تلك قصص ثلاث متفاوتة الأهمية والمضمون ولكنها تلتقي جميعها عند نقطة الحرب المستعر أوارها في الجزائر، وهي بهذا الاعتبار جزء من الملحمة الكبرى التي يخوضها الشعب العربي الجزائري، من اجل الحرية والعزة والكرامة إلا أنها -مع ذلك- ليست البداية أو النهاية لهذه الملحمة الخالدة كما راق للقيادة الفرنسية أن تعتقده وان تشيعه على الناس بهذه الصورة الواسعة.
ولم يكن الهدف من ترويج الفكرة -على ما يبدو- الحصول على نتائج عسكرية مباشرة، ولكنه كان يتركز حول الرغبة في التوصل إلى تأثيرات سيكولوجية تؤدي بصورة حتمية إلى النتائج العسكرية المنشودة وذلك بالطبع عن طريق شيوع مفترض لروح الهزيمة المعنوية (قصة البطل عميروش) وتركز روح الرغبة في السلام غير المشروط (قضية علي الحنبلي) ونشوء روح الخلافات الاتجاهية داخل القيادة العسكرية الوطنية (قضية الكومندان عز الدين).
غير أن تطور الإحداث -فيما بعد- لم يكن من أمره إلا أن يؤكد تفاهة هذه التخطيطات السيكولوجية الفرنسية بصورة محسوسة، وذلك حينما وضحت سلبية النتائج التي كان يفترض لها سواء على الصعيد السياسي أو العسكري، فقد أمكن للقيادة الفرنسية أن تتأكد -بعد قضية الحنبلي- أن العسكريين الوطنيين مصرون أكثر مما مضى على استهجان الحلول الجزئية وان روحهم المعنوية هي على أعلى نسبة من النبالة والسمو الارتفاع، ومما له دلالة في هذا الصدد ما أوردته بعض اليوميات الفرنسية نقلا عن صحافة الشرق الأوسط من أن رسالة قد تكون وردت إلى القاهرة مؤكدة آراء العسكريين الوطنيين في حل مشكلة الجزائر، وذلك الحل الذي يجب أن يرتكز- كما تشير إليه الرسالة- على اشتراط مبدأ الاستقلال والاعتراف به من جانب فرنسا كمقدمة لكل مبادرة للكف عن إطلاق النار في البلاد.
هذا وقد أضحى من المؤكد للقيادة الفرنسية- انه ليس من الميسور استدراج القادة العسكريين الوطنيين إلى طريق التنكر للمثالية الأساسية التي يناضلون من اجلها (تصريحات الكومندان عز الدين) هذا بالإضافة إلى ما اتضح أخيرا من سلبية النتائج الانهزامية التي كانت تتوقع من استشهاد البطل عميروش، وذلك بعد أن غدا جليا أن هذا الاستشهاد لم تكن له آثار أساسية على سير العمليات الجهادية في المناطق الشرقية الجزائرية وخاصة منطقة القبائل الكبرى موطن قيادة الزعيم الراحل، فقد تطور على العكس سير الوقائع العسكرية في غضون الأسابيع الأخيرة تطورا هاما وجوهريا الأمر الذي حشدا بالجنرال "لافو" رئيس أركان الحربية الفرنسية إلى الذهاب للجزائر لدراسة الحالة الدقيقة واتخاذ الإجراءات الضرورية لمواجهتها بعد أن تأزمت كثيرا.
ومضمون البلاغ الحربي الصادر في أوائل أبريل عن المراجع الجزائرية هو من بين الأمثلة على هذا التأزم الذي بلغ شأوا كبيرا، فقد أعلن هذا البلاغ أن محصول العمليات الجهادية في مدى الفترة المتراوحة بين 7 إلى 11 أبريل بلغ 172 قتيلا من الجنود الفرنسيين بالإضافة إلى كثير من الخسائر المادية الهامة، كما أن القيادة الفرنسية نفسها لم يكن في مستطاعها إلا أن تعترف بكثير من الضربان العسكرية التي كالتها القوات الجزائرية للجيش الفرنسي في كثير من ميادين العراك.
على أن العمليات الحربية -مع ذلك- لم تكن خلال الأسابيع الأربعة الماضية ذات أهداف عسكرية خالصة فقط، بل كانت ترمي كذلك إلى الغايات الأخرى ذات الأساس المدني والتنظيمي وعلى ضوء هذا الملحظ يمكننا أن نجزئ الأعمال العسكرية التي تميز بها الشهر الماضي إلى ثلاث فصائل أساسية:
عمليات ذات أهداف عسكرية صرفة (الحركات) المضادة لتنقلات القوات الفرنسية وتخطيطاتها الستراتيجية).