تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولقد كان من المفروض أن ينعقد في باريس مؤتمر مضاد للتعذيب في الجزائر (18 مارس) تحت إشراف جمعية الحفاظ على حقوق الإنسان وجمعية الدفاع عن الحريات والسلام، إلا أنه لم يتم السماح بتأمين من جانب السلطات الأمر الذي أفضى إلى اشتباكات دامية بين جهاز الأمن وأعضاء المؤتمر.

على أن هذه المواقف المتخذة لم يكن من شأنها -بالرغم من ذلك- أن تساعد على إقرار حالات من المشروعية في الوسائل المستغلة في حرب الجزائر إذ أن ازدواجية السلطة التي أضحت تميز كثيرا من جوانب الوضع في فرنسا والجزائر لم يعد معها ممكنا -كما تؤكده كثير من الصحف الفرنسية- اقرارية نسبة الانسجام بين العناصر المختلفة التي تهيمن على مصائر السياسة الفرنسية.

وفيما تسير الأحوال بفرنسا على هذا النحو المثير وبينما تزداد خطورة التنكيل التوسعي في الجزائر شراسة وضراوة تتأكد باستمرار إرادة الجماهير الجزائرية في التحرر والانعتاق وتصميمها على الذهاب في ذلك إلى ابعد الحدود الممكنة، وقد كانت الانتخابات البلدية مناسبة هامة امكن فيها للتوسعيين أن يتأكدوا من قوة هذه الإرادة ومن صلابتها ومتانتها وتزايد قدرتها على الثبات والصمود.

لقد كان الهدف - بالطبع- من إجراء الانتخابات هو منح الوضع الناشئ في الجزائر محتوى ديموقراطي قار ومشروع، وقد جهدوا لذلك في البحث عن الإطار الجزائري الذي يمكنهم من تزييف الإرادة الجزائرية وإعطائها مفهومها المزيف المعكوس.

وقد توسلت السلطات لكل ذلك بمركب من الأساليب التثبيطية والاغرائية والقسرية من كل صنف ولكن تركز الإرادة الجزائرية وصلابتها لم يتح لهذه السلطات أي لون من ألوان التقدم في هذا المجال.

وقد كان من اليومية الباريزية "لوموند" أن اعترفت في التاسع من الشهر الموالي ببعض جوانب هذه الحقيقة الجزائرية الرائعة وذلك حينما أشارت إلى أن "تهيئ" الانتخابات ليس من السهولة بأي مكان، فالعثور على مرشحين مسلمين بالأخص لا يبدو انه سهل ميسور، ومما ضاعف من تعقد الوضع ما يقوم به الضباط الفرنسيون من تدخلات رعناء لإقرار بعض القوائم الانتخابية ... ويلوح انه من النادر الحصول على مساهمة شخصيات ذات نظام محلي .. فقد تم بالفعل بذل كثير من المساعي لحمل الروائي الجزائري مولود فرعون مثلا على المشاركة في الحملة الانتخابية ولكنه مع ذلك لم يكن في وسعة إلا أن يقابل تلك الالحاحات بالرفض التام المطلق.

وقد تحدث الجنرال "فور" الحاكم العسكري والمدني لمنطقة القبائل، وذلك في مقابلة مع مراسل وكالة (الاسوسيبيتيد بريس) فاعترف صراحة بأنه لا يتوفر في منطقة مسؤوليته على مرشح واحد للانتخابات بل انه عدا ذلك إلى حد التأكيد بأن سلطة جيش التحرير في الناحية تفوق في فعاليتها وسريانها سيطرة الجهاز المدني والعسكري الذي يوجد على رأسه.

وبينما تتطور الأوضاع في قلب الجزائر على هذا المنوال توالي الحكومة الجزائرية بذل ألوان من النشاط السياسي والديبلوماسي على نطاق واسع، وقد حققت بالفعل -خلال الشهر الماضي- كثيرا من الخطوات الهامة في هذا المجال.

وقد كان من ابرز هذه الخطوات الرحلة التي قام بها السيد فرحات عباس في أوائل الشهر الماضي وزار فيها كلا من الهند وباكستان.

وعلى الرغم من أن هذه الرحلة لم تستطع أن تمكن الحكومتين الأسيويتين من الاقتناع بضرورة الاعتراف العاجل بالحكومة الجزائرية فإنها - مع ذلك كانت أساسا لتوطيد كثير من الصلات النيرة بين الرئيس الجزائري والمحافل الحكومية والأوساط الشعبية بالقطرين، هذا بالإضافة إلى ما تم خلالها من تعريف الجماهير الأسيوية بحقائق المأساة الجزائرية وما يكتنفها من ظروف وملابسات.

ويعتزم الرئيس الجزائري -بعد نهاية رحلته في أواسط آسيا - القيام بسلسلة من الاتصالات الرسمية بكثير من المسؤولين في الأقطار العربية المختلفة، هذا في الوقت الذي تستقبل فيه حكومة فيتنام الشمالية وفدا جزائريا رسميا سلف له أن قام بزيارة ناجحة للصين الشعبية.

وهكذا تسير القضية الجزائرية قدما في مجال التطور والتقدم سواء على الصعيد الوطني أو ضمن النطاق الدولي.

اما بالنسبة لفرنسا فهي -كما يبدو- لا تزال تتأرجح بين الحكم الذاتي المزدوج وبين الإدماج التام المطلق ..

الوضع العسكري:

كان من الطبيعي أن يتضاعف باستمرار قلق الاستعماريين من مثانة الوحدة التي تصل بين القوات الحية للشعب الجزائري، ولم يكن من سير

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٣٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٣٣٧