تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مراحلها الأخيرة أوائل الشهر الماضي وذلك حينما نشرت "لوموند" تفاصيل عرض "مبتكر" لحل المشكلة الجزائرية وصفت اليومية الباريسية صاحبه مجهول الاسم بأنه "شخصية سياسية تتبع عن كثب تطورات القضية الجزائرية".

ويجيز المشروع إمكانية منح الحكم الذاتي للجزائر بعد أن تأخذ مكانها داخل المجموعة الفرنسية تحت اسم معين كالجمهورية المستقلة الفرنسية الجزائرية (؟) وهكذا - كما يؤكد المشروع - يصبح في الإمكان إرضاء مطامح الجزائريين في الإدارة الذاتية في الوقت الذي يبقى فيه مبدأ الإبقاء على السيادة الفرنسية كامل المدلول (؟).

ومن نافلة القول التدليل على تفاهة الحل وغثائه وعدم إمكانية قبوله وتطبيقه من حيث وجهة النظر الجزائرية ولو معتدلة، ولكنه مع ذلك كان أساسا لمعركة جدلية صاخبة استأثرت طوال نصف الشهر الماضي باهتمام كثير من المحافل الاستعمارية في فرنسا والجزائر على السواء.

وقد كان رد الفعل في الواقع عنيفا وشديدا، فقد أشار ناطق باسم "الديموقراطية المسيحية- في تعليق له على المشروع- إلى "إن الجمهورية المستقلة الفرنسية الجزائرية ليست أسلوبا من أساليب التخلي المستتر وراء قناع الحكم الذاتي تارة والاستقلال داخل التكافل تارة أخرى" (1).

كما جاء في ختام تعليق للدكتور "لوفيفر" احد أساطين الغلاة بالجزائر انه "كيفما كان الأمر فقد بدأت نذر الخيانة تلوح سافرة في الأفق ولذا فانه قد غدا من واجب "الجزائريين" أن يدركوا أن وقت الاستعدادات للتحرك الجدي قد حان.

اما جورج بيدو ووزير الخارجية الفرنسية الأسبق فقد كتب قائلا: "أن مما يستفز المشاعر في المشروع هو ما يقتضيه من حل القضية الجزائرية على الطريقة القبرصية، لقد كان اختيارا أعرج وخاطئا .. "

تلك صور من رد الفعل العنيف الذي أثاره المشروع، وعلينا أن نتساءل الآن: لماذا كانت له كل هذه الضجة الصاخبة التي استثارها في أوساط الغلاة بفرنسا والجزائر على السواء؟ أكان ذلك لمجرد ظهور اقتراح صحفي قد يجوز إلا أن يكون له اعتبار في المقالات الرسمية الحاكمة؟ ولكن لماذا لم تحدث -من قبل- ردود فعل مماثلة أمام كثير من الاقتراحات الصحفية السالفة تلك التي كان بعضها يذهب في مجال "التخليات والتنازلات" إلى ابعد من ذلك بكثير (2).

فالظاهرة إذن على قسط من الغرابة ولذا كان من الطبيعي أن تثير أكثر من هذه التساؤلات ولكن ما يكتنفها من غموض لم يدم -مع ذلك- إلا قليلا جدا، ثم بدا كل شيء على درجة هامة من الوضوح والجلاء، وكان ذلك غداة أن اكتشفت "الابسيرفاتور" أن دوكول ودلوفربي كانا بنفسيهما صاحبي المشروع أو على الأقل ممن أوحوا بوضعه من قريب أو بعيد، بل انه كان ثمت تدخلا "رسميا" لدى مدير الجريدة لكي ينشرة على الملأ بعد أن تستر واضعوه وراء قناع من المجهولية الاسمية.

لقد كان الصراع حول المشروع إذن له مغزاه ودواعيه، إذ انه لم يكن إلا مظهرا جديدا من مظاهر المأساة السياسية و"النظامية" التي تعيشها فرنسا والتي هي آتية عن تداخل السلطات بين الجهاز التنفيذي الحاكم وبين الأوساط التوسعية في الجزائر.

ويبدو أن الهدف من المشروع كان -في بعض الجوانب- محاولة اصطناع بعض ظروف البلبلة السياسية والاتجاهية داخل المنظمات الوطنية الجزائرية، إلا أنه لم يسهم - في الواقع- إلا في مضاعفة عوامل الاضطراب السياسي الذي تعتمد عليه "إستراتيجية" الغلاة في صراعهم الكبير من اجل السيطرة والاحتكار.

على انه ليس مفهوم هذا أن ثمت خلافات جوهرية بين الجنرال دوكول والغلاة في نظرتهم المشتركة إلى مصير الجزائر ومستقبلها السياسي والكياني، أن هناك من الأسباب ما يبيح الاعتقاد بوجود كثير من عوامل الوحدة في هذه النظرة وشيوع الانسجام في كثير من جوانبها.

وقد أكدت هذه الحقيقة صحيفة "ليزيكو" وذلك حينما "اعترفت بان عمل الجنرال دوكول لا يرتكز على أساس من التفاوض مع جبهة التحرير بل يستهدف -على العكس من ذلك- تمزيق الثورة وعزلها .. "

كما نصت على ذلك الاوبسيرفاتور في حديثها عن "الروح الاستعمارية الجديدة" وذلك حينما أشارت إلى "أن السياسة الجزائرية للجنرال دوكول لا تتباين كثيرا وطبيعة السياسة التي كانت تنتهجها حكومة الجبهة الجمهورية فالطبقات المسيرة لم تقدر على انجاز كثير من مراميها داخل نطاق

النظام البرلماني ولذا فهي تجهد الآن في تحقيق ذلك ولكن تحت ظل نظام ذي

1 - يعني بذلك المراحل الأولى للاستقلال التونسي والمغربي

2 - من أمثلة ذلك: اقتراحات: بيرنار لافيرن و "جوزيف بيران".

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٣٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٣٣٥