دعوة الحق، س2، ع8 /ماي 1959 .................... ص 51
الجزائر الجزائر الجزائر: القضية الجزائرية في شهر
بقلم: المهدي البرجالي
الوضع السياسي
ظاهرة أساسية لا تزيدها الأيام إلا تأكيدا: تلك هي أن القضية الجزائرية - وفي وضعها الحالي- تبدو وهي تسير سيرا متعاكسا بالنسبة لوجودها كمشكلة دولية من جهة وكمشكلة توسعية فرنسية من جهة أخرى، فبقدر ما تحققه من تطورات هامة في الناحية الأولى بقدر ما تزداد عليه من جمود وتعقد في الناحية الثانية، والواقع أن هذا التعقد وان كان موجودا من قبل فإن نسبته قد تضاعفت تحت ظل الجمهورية الخامسة، وليس لهذا ما يفسره لا ما يبدو من تركز سيطرة الغلاة في فرنسا والجزائر واستئثارهم بتوجيه السياسة الفرنسية وتحديد صورها وأشكالها؛ الأمر الذي لم يكن من شأنه لا أن يفضي إلى الغموض السياسي الذي يجثم على فرنسا اليوم، ويكاد يخلق فيها حالات من الارتباك العام.
وقد بدأت ترتسم في أفق الجمهورية الخامسة بالفعل ملامح هذا الارتباك بشكل واضح وملموس، وان هناك من الإرهاصات ما يوذن بان الأمر قد يفضي في الأخير إلى حالات رهيبة من الصدام بين القوات السياسية التي تسند النظام الحالي، وليس لذلك -في حالة تأكده- إلا أن يبرر هذه التنبؤات المتشائمة التي يلقى بها الكثيرون حول مستقبل الجمهورية الناشئة والآفاق المكفهرة التي قد تطالعها استقبالا.
ومن البديهي أن "الجزائر" توجد في أساس كل هذه الظواهر القائمة التي تكتنف الجو السياسي الفرنسي منذ أمد بعيد، فقد كان صانعوا مؤامرة 13 مايو 1958 قد استهدفوا في تلك الحركة أن تكون قاعدة لغرض مبدأ الإدماج غير المقيد، وقد تبلور الاتجاه على الأخص داخل حزب "اتحاد الجمهورية الجديدة" الذي يقوده "سوستيل" والذي يسيطر بصورة رئيسية على البرلمان الفرنسي الحالي.
وليس هناك من الأسباب ما يوحي بان "دوكول" يناوئ - بصورة جدية- شعارات الغلاة من صنف "الجزائر الفرنسية" ولكنه -على الأقل- يبدو مقتنعا بان هذه الشعارات - التي تستهدف الإدماج المطلق- قد تجد سبيلها إلى التطبيق الفعلي بعد أن تتم تصفية الحركة الوطنية الجزائرية على الصعيد السياسي والعسكري.
اما كيف تقع هذه التصفية فيلوح أن الجنرال يفضل التذرع لذلك بمركب من الوسائل الملتوية المعقدة التي تتميز بها سياسة دوكول الجزائرية كما خبرناها من سير الوقائع والأحداث ومن عناصر هذه السياسة:
1) اصطناع أجواء موهومة "للخلاف" داخل الحكومة الجزائرية وجيش التحرير الوطني.
2) محاولة عزل الحكومة الجزائرية دوليا عن طريق المناورات الدولية من جهة والتظاهر بحل المشكلة من جهة أخرى.
3) مضاعفة الاعتماد على أساليب الحرب السيكولوجية لتدمير معنويات الشعب الجزائري وجنود جيش التحرير.
4) الإسراع في تطبيق البرامج الاقتصادية والصناعية واسعة النطاق لخلق جو "للسلام" غير المشروط في نفسية الجماهير الجزائرية من جهة وتركيز الوجود التوسعي من جهة ثانية وإلهاء الرأي العام العالمي من جهة ثالثة.
5) اما العنصر الأساسي في الخطة فهو العمل على شطر وحدة الاتجاه والرأي عند الأوساط الوطنية الجزائرية، وذلك عن طريق العروض التافهة الجزئية التي يخال انه قد يوجد من يتبناها بين قادة الشعب الجزائري.
وقد بدأت هذه العروض بقصة "السلام المشرف" و "العم الأبيض" ثم اتخذت طريقها للتطور فغذت - كما وضح في الأسابيع الأخيرة- تستهدف قبرصة القضية الجزائرية وقد وصلت القصة إلى