تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س2، ع8 /ماي 1959 .................... ص 49

بلادي

بقلم: محمد الصباغ

بلادي يا ألف زجاجة عطر تنكسر في حنجرتي عندما أناديك: يا بلادي

وطني يا تمزق اللحون والطيوب. ويا عصف البنفسج والورد في حديقة لحمي عندما أناديك: يا وطني

باسمك، أنادي هاتفا، وصارخا، وصائحا، في كل ناد، وواد، وصقع بعيد!

فيا وجع النداء في صدى كلماتي، وفورة المرارة في حلقي وعقيرتي

أخشى أن أخاطبك ولا تفهمين، وأتودد إليك فتتدللين، وأتوسل إليك فتنفرين.

لا أخاطبك يا بلادي، وليس عندي إلا اللغة التي تجحدينها، وتتنكرين لها،

ليس عندي إلا الضاد، والظاء، والشين، والقاف، ليس عندي إلا هذه الحروف

الثقيلة على أذنك، الخشنة على إحساسك، ليس عندي إلا لغة الشمس

والصحراء، والرمال، والإطلال، والصافنات الجياد، فكيف تفهمين، وأنت

تهتزين نشوة، وتميلين ميوعة بلغة العطر والحرير .. ؟ فتنسجين منها رسائلك

في دواوين وزاراتك، وتربطين بها التفاهم بين أبنائك في البيوت، والشوارع،

والقهوات، وحتى الأحلام والحشرجات.

ما أظنك تفهمين ما أقول، وان فهمتني، فإنك لا تقيمين لكلماتي وزنا،

فما أبعدني عنك، وما ابعد كلماتي عن إذنك الغارقة في رغى كلمات تسمعينها أنت

فتحسبينها نصحا، واسمعها أنا، فتكوى إحساسي في مشاعري. وتشوي عاطفتي في عروقي.

مسكين أنا المغربي. يا لتعاستي، وغباوتي، وفقر ثقافتي

مسكين أنا الذي أتكلم واكتب بالعربية في بلد عربي حر، فلا أجد لكتابتي أذنا، ولا لحروفي عينا

مسكين أنا الكاتب المغربي الذي انفق الليالي في الكتابة من اليمين إلى اليسار

عاصرا ضوء عيني، وعرق عاطفتي في حروفي، فلا أجد لها في بلادي قارئا

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٣٣٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٣٣٢