تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س2، ع8 /ماي 1959 .................... ص 48

دور نظريات برجسون حول الإلهام وقيمة الروح في انبعاث العاطفة الدينية بأوروبا

الأستاذ: محمد الفاسي عميد الجامعة المغربية يفتتح أسبوع برجسون

أبت جامعتنا الناشئة إلا أن تساهم في هذه الذكرى التي تحييها فرنسا وكل رجال العلم في العالم للفيلسوف العظيم هانري برجسون الذي تعدى تأثير نظرياته حدود بلاده وعم البشرية كلها، وليس لي أن أحدثكم عن فلسفة برجسون وسيتولى ذلك أساتذة أخصائيون أو بالأقل سوف يبحثون في بعض نواحي هذه الفلسفة البرجسونية، والذي أريد أن أنبه عليه هنا هو الدور الذي كان لنظريات برجسون حول الإلهام وقيمة الروح في انبعاث العاطفة الدينية وتجددها في أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى، وان هذه النهضة الروحية تستمد أصولها من نظريات هذا الفيلسوف العظيم، وقد كان كثير من المفكرين المشارقة خصوصا بمصر تأثروا بالنظريات الواقعية والمادية التي كانت سائدة في أوروبا خلال القرن التاسع عشر، ثم كان لاتصالهم بالنظريات الروحية الجديدة التي نشأت عن مدرسة برجسون أثر عميق على نفوسهم، مما جعلهم يرجعون لأفكار مخالفة كل المخالفة لما كانوا يعتقدونه حقا ويعلمونه وينشرونه قبل ظهور البرجسونية، أو بالأحرى قبل أن تنشأ عنها الحركة الروحية العظيمة التي ظهرت في أوروبا خلال السنين الأربعين الأخيرة، وقد كان هذا الانقلاب الذي أشرت إليه بالنسبة لاولائك المفكرين المسلمين من المشارقة شبه اعتناق جديد للإسلام.

فاحتفالنا بالذكرى المئوية لولادة هانري برجسون ليس فحسب لكونه احد عظماء الفلاسفة في كل عصر، ولكننا نحتفل بذكراه كذلك كصاحب مذهب ارجع للروح المكانة التي يجب أن تبقى لها حتى تنفخ في مدنيتنا روح الحياة التي تنعشها، وان برجسون هو الذي تنبأ بما آلت إليه المدنية الحاضرة في خطابه الذي ألقاه نيابة عنه باسطولهولم سنة 1928 ممثل فرنسا في حفلة تسليم جائزة الآداب التي كان نالها الفيلسوف الفرنسي تلك السنة، قال بعد أن قارن بين التقدم الآلي الذي حصل في القرن التاسع عشر والمستوى الأخلاقي للجنس البشري، أن لم نتوصل لفسح المجال للروح لتترعرع بحرية وبمقدار ما اكتسبه الجسم من إمكانيات فسوف يختل التوازن ونرى مصاعب عويصة تنشأ، ومشاكل سياسية واجتماعية نتيجة للفرق العظيم الموجود بين الروح البشرية وقد بقيت تقريبا على ما كانت عليه من قبل وبين جسمها الذي تضخم بكيفية متفاحشة، وهذا ما نرى الآن الإنسانية تتخبط فيه من جراء عدم البحث على هذا التعادل الذي بدونه ستطغى المادية نهائيا على الروح ويكون في ذلك انهيار المدنية البشرية.

ولكننا نؤمل أن لا تضطر الإنسانية للوقوع في هذه النهاية وإنها تراجع أوضاعها في الوقت المناسب وعسى أن يلفت إحياء هذه الذكرى أنظار المفكرين إلى هذه المشاكل التي يتوقف على حلها مستقبل البشرية.

وان لي واجبا خاصا يجب أن أؤديه نحو ذكرى برجسون وذلك إنني درست الفلسفة في المعهد الذي كان يدرس فيه بليسيه هانري الرابع بباريس حيث كان أستاذي احد تلامذته وهو الفيلسوف لافيل الذي كان له الفضل في تفهيمنا فلسفة شيخه والذي علمنا أن نحبه ونقدره.

ثم أن جامعتنا ستتشارك كذلك في المهرجان الذي يقام بباريس بمناسبة إحياء الذكرى المئوية لولادة برجسون بإيفاد أحد أساتذة الفلسفة بكلية الآداب للحضور فيه وهو الأستاذ الحبابي.

وإنني علن افتتاح أسبوع برجسون والسلام.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٣٣١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٣٣١