تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال:

بنيت من خلق دولته قد يشيد الدول الشم الخلق

أجل هكذا نجده يحوم حول المعنى ويفنن في صياغته، ويكرره في نحو ثلاثين بيتا، ولكنه كما قلنا لم يقل - أو كأنه لم يقل شيئا- للجمهور الذي طرب أيما طرب بالأمس وقد سمع بيته:

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

طرب لذلك وسرعان ما تمكن من حفظه، وردده لسانه وقلمه، في مناسبات شتى ... ولم يطرب لغيره ولم يردده لا لسانه ولا قلمه ولا علق بذاكرته بالمرة ... وعجب شوقي ورجع إلى بيته الساحر، وقال: إنها الصياغة، فلنعد إليها مرة أخرى ولا نغير منها شيئا إلا هذه القافية التي تسبغ عليها شيئا من الجدة فليكن هذا البيت:

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فان تولت مضوا في إثرها قدما

ولكن شوقي كان واهما في ظنه: "فان تولت مضوا في إثرها قدما" غير "فان هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا"، ولو أن الصياغة واحدة، لكنه هذا الانسجام الآخذ بآسرة الألفاظ والمنتهى "بذهبوا" المنسجمة تمام الانسجام بـ "فإن هم ذهبت". وقدما قال ابن شهيد - بعد ابن العميد -: (إن للحروف أنسابا وقرابات تبدو في الكلام، فإذا جاور النسيب النسيب، ومازج القريب القريب طابت الألفة وحسنت الصحبة).

ولهذا لم يكن حظ شوقي في توفيقه بهذا البيت أكثر من حظه في الأبيات الأخرى؛ فلعله -رحمه الله- أدرك هذا السبب أخيرا بعد هذه المحاولة الفاشلة ..

وبعد فإننا لسنا نقول إن هذه القافية مجردة، كان لها هذا التأثير الساحر بها الساخر من غيرها؛ وإنما نقول: إن ذلك بفعل انسجامها مع شرطها السالف الذي أشرنا إليه. فالقافية أتمت تلك النغمة وانتهت بها إلى الآذان المرهفة الحس، فتقبلتها قبولا حسنا، على حين أنها رفضت غيرها في مثل "يذهب عنهم أمرهم حين تذهب"، وفي مثل "فإن تولت مضوا في إثرها قدما" ...

دعوة الحق، س2، ع8 /ماي 1959 ص 45

سحر القافية

ذ. محمد بن تاويت

لا شك أن الموسيقى في الشعر العربي، من أهم العناصر التي يعتمد عليها، فالوزن والتقفية كانا ومازالا "فصولا " في تعريف الشعر العربي، بل إن كلمة "شعر" مأخوذة في الاصل من "سير" العبرانية، بمعنى الترنيمة التي لا غنى لها عن الانسجام الموسيقي، وقد التزم العرب في ذلك التزامات دقيقة، نجدها قد سجلت في علم العروض مع قوافيه. صلة وثيقة لا يمكن أن يغض عنها الطرف مهما حاول بعضهم ذلك.

ثم إن أوزان الشعر العربي أوزان قد لوحظ فيها أنها وضعت حسب انفعالات نفسية، لتعبر -كالموسيقى- عن خوالج خاصة بهذه الأوزان في عروضها مع قوافيها. فالطويل والمديد مثلا، لا يصب فيهما من المعاني ما يصب في المتقارب أو المنسرح مثلا، وكذلك القوافي الرائية أو الفائية لا يمكن أن تستبدل بالنونية أو السينية مثلا ..

والشاعر نفسه ليس له الخيار بين هذا وذاك -من الأوزان - من غير ما يراعي فيها ما يناسب حالته النفسية التي هو عليها، من هدوء أو قلق، ومن مرح أو انقباض، وسرور أو كآبه وأمل أو يأس ..

ومن لم يراع هذا التجانس بين الأوزان وبين هذا كله، فإن ذوقه ينقصه حس مرهف لو كان له لأدرك ما لموسيقى الأوزان مع قوافيها من تعبيرات مختلفة كذلك ..

ومن الطريف أن نجد من بين نصوص النقاد القدامى نصا لابن عباد يتحدث فيه عن صاحبه ابن العميد فيقول: (إنه كان يتجاوز نقد الأبيات إلى نقد الحروف والكلمات، ولا يرضى بتهذيب المعنى، حتى يطالب بتخير القافية والوزن)، ويقول أيضا: (وسمعته -أيده الله- يقول: إن أكثر الشعراء ليس يدرون كيف يجب أن يوضع الشعر ويبتدأ النسج لأن حق الشاعر أن يتأمل الغرض الذي قصده، والمعنى الذي اعتمده، وينظر في أي الأوزان يكون أحسن استمرارا، ومع أي القوافي يحصل أجمل اطرادا، فيركب مركبا لا يخشى انقطاعه والتياثه عليه).

وقد كان من الشعر مهيار الديلمي آخذا نفسه بهذه الملاحظة القيمة في أوزان شعره وقوافيه، ملائما بينها وبين أغراضه المختلفة. كما وجدنا فيما بعد -بكثير- شاعرنا الحسن اليوسي لا تفوته هذه الملاحظة خصوصا في قوافي قصائده ...

والذي يهمنا في موضوعنا الآن، إنما هو القافية بالخصوص، فعلى القافية تنبني أهمية كبرى في هذه الموسيقى الشعرية؛ فإذا ما أحسن اختيارها، فإن الرنين الموسيقي ينتهي أجمل ما يكون أو أفعل مطلوبا في النفوس .. أما إن أسيئ الاختيار في ذلك، فإن القافية -حينئذ- تعكر صفو هذا الصدى الذي كان منسجما في إنبائه من باقي الموسيقى في الوزن الشعري ..

دعوة الحق، س2، ع8 /ماي 1959 ص 46

إن الأصداء التي تنتهي بها الأوزان الموسيقية في مكنتها أن تطيل في هذا النفس أو تكبته نهائيا؛ ولهذا كانت القوافي بمثابة تلك النقرات النهائية التي تنتهي عندها الأصداء برنتها أو دويها، على أجمل الحالات إن كانت جميلة أو أقبحها إن كانت على العكس من ذلك ...

وما أكثر ما نصادف المعنى الواحد يتناوله عدة شعراء، فلا يكتب له البقاء إلا عند أحدهم، ولا يروح إلا في بيت أو أبيات من شعره؛ وربما لا يكون في ذلك من سبب إلا القافية وحدها.

ومن العجيب - أو لا عجب - أن نجد الشاعر واحدا يصوغ في شعره معنى واحدا من المعاني، ويكرره في ذلك الشعر فيطير صيته بين الناس؛ ولكن هذا الصيت يستبد به بيت واحد من أبياته العديدة، والشاعر -كما قلنا- واحد، والمعنى واحد: صاغه الشاعر في عدة أبيات، وكرره فيها بعدة صيغ، بل بنفس الصيغة وبنفس الألفاظ في بعض الأحيان .. وهذا مناط العجب - إن كان هناك عجب-: راج بيت ولم يرج آخر. والسبب -يا سيدي- هو القافية؛ نعم القافية وحدها ...

قال علماء الاجتماع وعلى رأسهم "جوستاف لبون": "الأمم الأخلاق": فلم يأبه به الناس لهذه القولة بقدر ما أبهوا لها، وقد صاغها الشاعر شوقي في قوله:

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

لقد فعل هذا البيت في أنفس الناس وعقولهم ما لا تفعله الخمر في ألبابهم - كما يقول الشاعر- وتنبه شوقي لهذا السحر الذي يبثه بيته في الناس، ولابد أنهم صفقوا له كثيرا واستعادوه إنشاده، وصاحوا بملء أفواههم: "الله اكبر"، فانفعل الشاعر شوقي بانفعالهم، وأخذته سكرة الاستحواذ على الجماهير، فرجع إلى المعنى نفسه يصوغه في عدة صياغات، ويكرره في عدة مناسبات، ولكن المستمعين جامدون في مكانهم، وصامتون بأفواههم، وهادئون في انفعالاتهم، وإذا به يكرره بنفس الصياغة، ولا يخالف فيها إلا بالقافية؛ وإذا بالموقف هو الموقف لا يتبدل ولا يتغير. سبحان الله!

قال شوقي:

كذاك الناس بالأخلاق يبقى صلاحهم ويذهب عنهم أمرهم حين تذهب

فلم يقل شيئا هؤلاء الجماهير ولم يحرك منهم ساكنا ...

وقال:

وما السلاح لقوم كل عدتهم حتى يكون من الأخلاق في أهب

ولا المصائب إذ يرمي الرجال بها بقاتلات إذا الأخلاق لم تصب

وقال:

وليس بعامر بنيان قوم إذا أخلاقهم كانت خرابا

وقال

تغني قوى الأخلاق ما تغني القوى المفكره

ويرفع الله بها من شاء حتى الحشره

وقال:

وإذا أصيب القوم في أخلاقهم فأقم عليهم مأتما وعويلا

وقال:

ولقد يقام من السيوف وليس من عثرات أخلاق الشعوب قيام

وقال:

ملك من الأخلاق كان بناؤه من نحت أولكم ومن صوانه

وقال:

وأين من الربح قسط الرجال إذا كان في الخلق خسرانها

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٣٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٣٢٨