تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الأصداء التي تنتهي بها الأوزان الموسيقية في مكنتها أن تطيل في هذا النفس أو تكبته نهائيا؛ ولهذا كانت القوافي بمثابة تلك النقرات النهائية التي تنتهي عندها الأصداء برنتها أو دويها، على أجمل الحالات إن كانت جميلة أو أقبحها إن كانت على العكس من ذلك ...

وما أكثر ما نصادف المعنى الواحد يتناوله عدة شعراء، فلا يكتب له البقاء إلا عند أحدهم، ولا يروح إلا في بيت أو أبيات من شعره؛ وربما لا يكون في ذلك من سبب إلا القافية وحدها.

ومن العجيب - أو لا عجب - أن نجد الشاعر واحدا يصوغ في شعره معنى واحدا من المعاني، ويكرره في ذلك الشعر فيطير صيته بين الناس؛ ولكن هذا الصيت يستبد به بيت واحد من أبياته العديدة، والشاعر -كما قلنا- واحد، والمعنى واحد: صاغه الشاعر في عدة أبيات، وكرره فيها بعدة صيغ، بل بنفس الصيغة وبنفس الألفاظ في بعض الأحيان .. وهذا مناط العجب - إن كان هناك عجب-: راج بيت ولم يرج آخر. والسبب -يا سيدي- هو القافية؛ نعم القافية وحدها ...

قال علماء الاجتماع وعلى رأسهم "جوستاف لبون": "الأمم الأخلاق": فلم يأبه به الناس لهذه القولة بقدر ما أبهوا لها، وقد صاغها الشاعر شوقي في قوله:

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

لقد فعل هذا البيت في أنفس الناس وعقولهم ما لا تفعله الخمر في ألبابهم - كما يقول الشاعر- وتنبه شوقي لهذا السحر الذي يبثه بيته في الناس، ولابد أنهم صفقوا له كثيرا واستعادوه إنشاده، وصاحوا بملء أفواههم: "الله اكبر"، فانفعل الشاعر شوقي بانفعالهم، وأخذته سكرة الاستحواذ على الجماهير، فرجع إلى المعنى نفسه يصوغه في عدة صياغات، ويكرره في عدة مناسبات، ولكن المستمعين جامدون في مكانهم، وصامتون بأفواههم، وهادئون في انفعالاتهم، وإذا به يكرره بنفس الصياغة، ولا يخالف فيها إلا بالقافية؛ وإذا بالموقف هو الموقف لا يتبدل ولا يتغير. سبحان الله!

قال شوقي:

كذاك الناس بالأخلاق يبقى صلاحهم ويذهب عنهم أمرهم حين تذهب

فلم يقل شيئا هؤلاء الجماهير ولم يحرك منهم ساكنا ...

وقال:

وما السلاح لقوم كل عدتهم حتى يكون من الأخلاق في أهب

ولا المصائب إذ يرمي الرجال بها بقاتلات إذا الأخلاق لم تصب

وقال:

وليس بعامر بنيان قوم إذا أخلاقهم كانت خرابا

وقال

تغني قوى الأخلاق ما تغني القوى المفكره

ويرفع الله بها من شاء حتى الحشره

وقال:

وإذا أصيب القوم في أخلاقهم فأقم عليهم مأتما وعويلا

وقال:

ولقد يقام من السيوف وليس من عثرات أخلاق الشعوب قيام

وقال:

ملك من الأخلاق كان بناؤه من نحت أولكم ومن صوانه

وقال:

وأين من الربح قسط الرجال إذا كان في الخلق خسرانها

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٣٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٣٢٩