لقد كان أنصار هذا النظام ينسبون لنا نوايا العدوان بدافع العصبية القذرة المستوحاة -حسب زعمهم - من الشعور الزائف والتقليب السطحي لدواعي التأخر.
كذلك شاء أمثال الخصوم أن يئدوا سماحة هذا الدين قبل أن يستفحل أمره بين الناس ويتعاظم فعله وتنتصر ارداة الشعوب النزاعة إلى العيش والحكم والحياة.
كتب الم E.SHILLITO في مجلة -هبرت- الصادرة في أكتوبر 1931 مقالة تحت عنوان (القومية) يقول: (ما دامت القومية ترتكز على معتقدات سلبية فإنها لن تدوم طويلا).
وجاء في الصفحة 275 من كتاب ESSAYS ON NATIONALISM ( إن القومية في جوهرها محبة الوطن ولكنها غالبا ما تجمع إلى ذلك أشياء أخرى .. فهي نظرة متعجرفة مباهية إلى امة المرء المعينة، تقترن بموقف محتقر معاد إزاء الأمم الأخرى، فإذا لم تك خرقاء متحيزة فهي تعصبية غير إنسانية لا محالة، وفي كلا الحالتين هي ضرب من الهوس الهائج والأنانية المتضخمة، فيها ما فيها من أدلة الذاتية المحضة، وعدم الاحتمال، الدالين على توهم الأبهة الغشاشة التي تحت عبئها ترزح ومنها تئن).
.. فإلى هؤلاء وغيرهم نؤكد دفاعنا عن الدين القومي منزهتيه من المزاعم التي تحاول أن تلصق به صفات وسخة (كالسلبية والعصبية .. وكونه مبدأ نزاع وخصام .. وبشارة أنانية .. ونظرة متعجرفة) مؤكدين أيضا أن التهم التي حاول إضرابهم نسبتها إلى حركتنا القومية أيام ثورة الشعب، قد افتضحت من تلقاء نفسها، خصوصا بعد أن علم العالم عنا شيئا كثيرا كحبنا لإيجاب السلام ونزعتنا الجارفة إلى نشر الإخوة والازدهار والعدل.
.. إلى هؤلاء تعرف الدين القومي من جديد، بأنه دين باعث على السعي الحثيث إلى الجد والسؤدد .. اثر التقدم والرفاه، وهو حافز على العمل الجدي المتواصل، ومنبه لقوى الإنسان الفكرية الإنتاجية حتى يتحقق حلم الشعوب كلها في إقامة نظام ديموقراطي سليم.
وبعد التأمل في مثل هذه الأفكار يظهر أن هؤلاء الكتاب قد وجدوا أفكارهم هذه في ظرف بدأت فيه شرارة ثورة الشعوب الأسيوية والإفريقية تضايقهم، وتصمم على إيقاف عمليات التشويه القومي حيث ابتدأت، حتى لا تتواصل فيكون هلاك الشعوب، وأننا نعتقد أن الأوروبيين لو لم يحاولوا محو معالم الأركان الدينية القومية على حساب المواطنين، لما كانت هذه الحروب التاريخية، ولبقي التساكن إلى الأبد بين البيض والحمر في آسيا والبيض والسود في إفريقيا، تكتنفه المودة والصفاء، فتتدعم بذلك حركة التعاون الحر المثمر، وينتشر السلام إلى الأبد.
وإذا ما نظر إلى تطور العلاقات بين الشعوب وكيف كانت بالأمس معدومة تماما، لما كان يسود منطق الحاكم والمحكوم، وكيف وجدت اليوم نقية طاهرة تبشر بحلول عهد التفاهم والوئام والاحترام المتبادل بين الشعوب التي أصبحت كلها حرة وانعدمت من مفهومها ومنطوقها معاني السيطرة، فسيتأكد لنا أن العالم لا يستطيع أن يعيش في كنف سلام دائم، مادامت هناك عقليات تفكر في مقاومة حركات الدين القومي خصوصا بالعنف والعدوان.
وبعد تجربة التحرير الباعثة على تنمية روح التفاهم هل مازالوا يفكرون في مواصلة الحرب؟ وهل مازالوا يقفون حجر عثرة في وجه التفاهم البشري؟
لقد كان على الاستعماريين أن يتعظوا بدوي هذه الانفجارات الواقعة في بلاد الشرق الأوسط، والتي كانت نتيجة حاسمة للضغط الذي قصد به توقيف زحف الطلائع القومية في تلك المنطقة وحصرها في دائرة ضيقة تملأها الظلمات.
وكان عليهم أن يتعظوا بمأساة الحال الدائرة في الجزائر في شكل حرب مهولة لا هوادة فيها بين الدين القومي الشمال الإفريقي وبين نزعة العدوان والقهر الاستعماري.
وإذا لم يتعظوا بكل هذه الأمثال الناطقة، فأنهم ولا شك سيتعظون بنتيجة المعركة العامة التي ابتدأتها الحركات القومية من تاريخ مؤتمر طنجة الذي أعلن أن لابد من إقامة قوى مثالية تخلص قوميتنا من الاحلاس والزوائد، ومن دواعي توقيف الحركة، وتؤيد الحركات الشقيقة في كل مكان، وتنشغل إلى جانب ذلك بتأدية رسالة التحرير والتعمير كاملة لتقوية واجهة السلام