تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وماداموا يؤمنون بان هذه نتيجة حتمية لكل وضع منحرف وغير طبيعي، فلماذا يبررون وسائل عدوانهم هنا وهناك على قوميات الشعوب التي أرادت اليوم أن تتنفس في حرية وان تعمل في جد لا يقيده استمرار حيثيات خاطئة؟

واسألهم كذلك عن أسباب ثورة المغرب العربي التي نعرفها جيدا كما يعرفونها مثلنا، لأنهم كانوا يمثلون الواجهة المقابلة التي تسعى لإحباط الهمم وتدمير القيم، فكانت القيامة الطامة في كل من تونس والمغرب والجزائر تبدأ في أزمان متقاربة، وبأساليب متشابهة تماما، تعين نفسها، حتى كان هذا الامتداد لأرض الأقطار الشقيقة، تعبير رشيد عن وحدة الدين القومي الذي جمع بينها، وجعلها لحمة واحدة متماسكة كالمرمر، ممتدة في استقامة وجمال على كتفي الأطلس الكبير، كان لم تفرق بينها حدود وسدود وأسلاك شائكة.

وللحديث عن الدين القومي ونسبته إلى الفعل يجب أن نتحدث قليلا عن الظروف التي استغلها السلوك العكسي لتدبير العمليات الإحباطية وأحكامها، حتى يمكن لزيف القومية الدخيلة أن تجد فراغات ملأه وسط قلوب الشعوب المغلوبة على أمرها.

فإذا كان الاستعماريون قد تمكنوا من احتلال الأرض واثبات وجودهم بين مناكبها، فإنهم لم يتمكنوا من احتلال القلوب رغم طول المدة وتنوع الأساليب -المغرية منها والمرعبة- لبلوغ غايتهم القذرة.

لقد جاء هؤلاء في حلل الرسل المكرمين يعاملون الأهليين باللين واللطف، لكنهم شعروا بعد ذلك أن هذه المرحلة ستنتهي، وإذا لم يدخلوا باستعمارهم إلى مرحلة أخرى يغتنمونها لإقامة نظام يحمي برامج رغبتهم في التوسع ماديا وروحيا فلا يمكن لهم أن يجدوا حلا مفيدا يستثمرونه لضمان وجودهم في الأراضي الخصبة بالمواد الأولية وبالخير وبأنواع الخدم والعبيد، لذلك كانت الضرورة ملحة لإقامة نظام استعماري سميك في قوة الاسمنت المسلح يحمي ظهورهم من هجمة السواعد وثورة العقول، فتتصدع عنده شخصية هذه الشعوب تهوى كأوراق الخريف اليابسة، فتكون مكرهة على دخول سقف هذا النظام، وتنضم مكرهة أو طائعة إلى الإمبراطورية الأم.

فمن هنا بدأت معركة القومية ..

ومن هنا بدأ الجهاد المقدس

.. وتواصلت أيام هذا الجهاد في بسالة رائعة، خصوصا لما صمم الاستعماريون على محاولة المستحيل لمحو اللغة العربية، وفرنسية الشمال الإفريقي، وتمسيح العقيدة الروحية بلا عن الإسلام الخالد، وتنسية أجيالنا في أمجاد تاريخهم، وتعويضه بتاريخ أجنبي، كان موضوع تدريس يلقن لناشئة مدارسنا، حتى إذا نشأ هذا الشباب يعرف من فطرته الأولى -حشوا- عن رجالات لا يهمونه في شيء، فيخرج جيلا غريبا قد يتنكر لدين قومية الشمال الإفريقي الماجد.

لقد كان هذا العمل بداية حرب القومية في تونس والجزائر والمغرب لتسكين عصبها وتخميد روحها، لكن هذه التجربة كانت فاشلة بالنسبة لآمالهم، وكانت السبب في إيجاد امة مغربية موحدة الأهداف، وقد كانت قبل ضائعة الأطراف تدفعها الحركات القومية لساحة الخلاص النهائي وتجرها لأقرب السبل.

إن هذه الحرب اللعينة التي خمدت في كل من تونس والمغرب ما زالت تدور الآن في شدة وعنف دموي رهيب فرض علينا أن نوفر أسباب الانتصار للحركة القومية الجزائرية، حتى تكون نتيجة كل كفاح انتصارا باهرا للأديان القومية في كل مكان .. وستنتهي هذه الحرب بالنتيجة المحتومة التي تفرض علينا أن نفهم جيدا انه من الواجب المطلق في حقنا وحدنا أن نعتني بفروض هذا الدين، وان نهضم كل متطلباته، حتى لا نحيد عن سوى السبيل، وحتى لا نصاب بالنكسة فتعود إلى حالة الهزال.

ومما يوجب علينا الاهتمام بمستلزمات هذا الدين هو وجودنا في عصر تطبعه القومية بطابعها الخاص، وتهيمن على إحداثه ومجرياته .. عصر بلغ فيه التطور الفكري درجة طغيان الولاء القومي على أي ولاء آخر، حتى كأنما دين العصر الحاضر هو دين القومية الذي احتل المركز الأرفع في قائمة الأديان الفعالة في حياة الإنسان.

.. بعد أن أحطنا علما بحقيقة هذا الدين وبفعله الصالح للمحافظة على قيم الشعوب، يجدر بنا أن نعلم أيضا شيئا عن التهم التافهة التي كثيرا ما ألصقها به خصومه الكثيرون، وهي نفس التهم التي حاول الاستعماريون أن يلصقوها بحركتنا التحريرية حينما ثرنا نريد تبديل النظام اللاوطني الحاكم.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٣٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٣٢٥