تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س2، ع8 /ماي 1959 .................... ص 41

القومية والفعل

الأستاذ: محفوظ شقرون (تونس)

.. القومية هي شعور الفرد بالمركب - الاجتماعي، الاقتصادي، النفساني، الذي يفرض عليه أن يزيد على إحساسه بحاجات مجتمعه، وان يجمع إلى فهمه نفسه، فهم نفسية متحده الاجتماعي، وان يربط مصالحه بمصالح قومه، وان يشعر مع ابن مجتمعه ويهتم به، ويود خيره كما يود الخير لنفسه) والقومية (هي الوجدان العميق الحي الداعي للخير العام، المولد محبة الوطن والتعاون الداخلي بالنظر لدفع الأخطار التي قد تحدث بالأمة ولتوسيع مواردها، الموحد الشعور بوحدة المصالح الحيوية والنفسية لمزيد استمرار الحياة واستجادة الحياة بالتعصب لهذه الحياة الجامعة التي يعني فلاحها فلاح المجموع وخذلانها خذلانه ..

( .. إنها عوامل نفسية من روابط الحياة الاجتماعية الموروثة والموعودة، قد تطغى عليها في ضعف وتنبهها زعازع الدعوات والاعتقادات السياسية، لكنها لا تلبث أن تستيقظ في سكون الليل وساعات التأمل والنجوى، أو في خطرات الإنسان في برية وطنه أو متى تذكر برية وطنه .. )

هذه هي القومية النظيفة كما عرفها الفلاسفة السياسيون الذين علموا بواعز الضمير الوطني أن يجعلوها إحدى أديانهم، واصبغوا عليها سماحة القداسة حتى يسهل على المواطنين قبول دواعيها وتكاليفها، وحتى يؤمنون بها كما يؤمنون بدين الله تعالى، ويخلصون في حبهم لها وفروضها كما تعودا أن يخلصوا في خشوعهم لعظمة الله، وذلك لان الدين القومي حقيقة هو عصب الشعوب القوي المتحرك الذي يحميها من خطر الاضمحلال ويضمن لها البقاء رغم أحيان الذوبان في محلول الزعازع والارتطامات التاريخية الموحشة.

وخوفا على ذاتية الدولة من عواقب المسخ جاء في الإسلام أن (حب الوطن من الإيمان) وعمل المسلمون على ترويج هذا الحديث بين الأمم الإسلامية حتى تتمسك بقوميتها إلى الحرب والى الموت.

.. سمعنا عن شعوب كثيرة تعطلت عن التنفس وأصيبت بالانهيار وأصبحت في إحدى أطوار حياتها ذائبة الضمير يابسة الحس، مثلها كمثل الفيلة تنصاع للأطفال وتصبر للقهر وتستكين للحرمان والجوع.

وقبل أن أؤكد أن هذه الشعوب سكن عصبها القومي، وخمدت في أعماقها جذوة هذا الدين (الديناميكي) بوسائل العدوان التي ابتدعته نزعة الوحشية اللاحقة بالأمزجة المتوارثة عن النظام الامبريالي، مع بعض التفنن في الأساليب، حتى يتمكن من اقتسام شعوب افريقيا وآسيا حبا في قيام نظام إمبراطوري يحمي استعماره لأرض هذه الشعوب النبيلة .. أحب أن أؤكد انه إذا لم يتمكن العقل البشري لحد الآن من إيجاد دواء نافع لمرضى - الهيموفيليا- ليحمي الفرد من خطر إيقاف النزيف الدموي، فان الضمير القومي قد توصل إلى كيفية تمكن الشعوب من البرء من مرض استنزاف جهودها واستغلال خيراتها وتسكين أعصابها، وجعلها تتحرك لفائدتها وتنفع وتجدي.

هنا يجدر أن نخاطب الفلاسفة الامبرياليين -والبسطاء منهم على حد سواء- الذين مازالوا يفكرون في تجديد وسائل المحافظة على بقائهم على صدر هذه القوميات المنتفضة في افريقيا كلها والكيد لها وإرهاقها بأساليب العدوان والإجرام، حتى تكف عن دق الأجراس، فنسألهم لماذا تباركون الثورة القومية الفرنسية دون أن تباركوا مفعول الثورات القومية الأخرى التي ستبقى تدق الأجراس في مسامع الأجيال الإنسانية المتوارثة الأرض؟؟

لاشك أن منطقهم يؤكد أن الثورة الفرنسية الكبرى كانت انفجارا طبيعيا لفعل القومية في قلوب الجماهير التي كرهت نظام العبودية المسترسلة.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٣٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٣٢٤