يقول التاريخ أن الدين الإسلامي واللغة العربية كانا يسيران مع الفتح جنبا إلى جنب في المغرب، فلا يحتل الجيش الفاتح بلدا في المغرب حتى يقيم فيه الدين الإسلامي وتنتشر اللغة العربية الأمر الذي لم يكن يعهد بفتحه من قبل في المغرب ولا يفتح مثله من قبل الفاتحين العرب أنفسهم في المشرق. كان ذلك برغبة وإقبال ولم يصادف مقاومة سوى مقاومة الكاهنة التي صرعت وانطفأ أمرها بأيد مغربية - ولا يخلو عصر من (جلاوي) فكما أن الجلاوي خرج على الإجماع فصرعت مطامعه بأيد مغربية في عصرنا الحديث، صرعت الكاهنة بأيد مغربية في العصر القديم.
لقد اعتنق شعب المغرب دين الإسلام مع الفتح وانتشرت اللغة العربية مع الفتح أيضا في بضع سنوات، فما السر؟
إن كان السر في الإسلام فقد فتح المسلمون غير المغرب أقطار واسعة أخرى في المشرق كفارس وما وراء النهر مثلا فلم يعتنق الإسلام شعب تلك الأقطار إلا بعد قرون ولم يتعلم اللغة العربية حتى الآن، وإذن فما السر؟
نعود إلى التاريخ فنرى طارق ابن زياد المغربي في جيش قوامه 12 ألف مغربي ليس فيهم سوى 13 عربيا وفي رواية أخرى 300 عربي، يخطب طارق المغربي في هذا الجيش العرمرم الجرار المغربي خطبة لو نسبت إلى زياد ابن أبيه أو غيره من بلغاء القادة لكانت مفاخره، يلقيها بمثل هذه البلاغة على جيش كبير والجيش عادة أخلاط من الناس فيهم المتعلم وغير المتعلم فيتفهمها الجيش ويتأثر بها فيندفع إلى الفتح.
نسأل متى تعلم طارق (البربري) لغة العرب وتفقه بها فأتقن نطقها بمخارج حروفها؟ ونسأل كيف فهم جيش عدده 12 ألفا هذه الخطبة من غير ترجمان؟ أفي ذلك معجزة، أم ماذا؟
ونقلب صفحات التاريخ مرة ثالثة فنجد أن حسان ابن النعمان الغساني والي افريقيا رسم اللغة العربية فجعلها لغة رسمية. ونجد أن عمر ابن عبد العزيز أرسل إلى إفريقيا عشرة من الفقهاء يعلمون الناس القرآن، ونجد أن موسى بن نصير رتب عددا من القراء والفقهاء للتعليم.
قال التاريخ هذا ولم يزد.
نعود فنسأل: هل إن رسم اللغة العربية في شعب غبر عربي يعلم ذلك الشعب اللغة العربية بالمدة التي تعلمها الشعب المغربي على النحو الذي تقدم، بحيث يخرج جيشا يفهم اللغة العربية البليغة وخطيبا يلقي مرتجلا مثل هذه الخطبة؟
الجواب: لا، قطعا لا، فان رسم اللغة العربية في غير المغرب من أقطار غير عربية لم يعلمها العربية. إن الرجل الأعجمي ليعيش عمرا يبلغ الثمانين وأكثر من الثمانين في أوكار العروبة، في الحجاز واليمن مثلا ثم يموت وهو لا يحسن نطق الكلمات العربية ولا يفهم معناها.
ونفس السؤال نواجهه في إرسال عشرة قراء يعلمون القرآن، فلا العشرة قراء الذين أرسلهم عمر ابن عبد العزيز ولا العدد من القراء الذين رتبهم موسى ابن نصير ولا أضعاف أضعافهم بقادرين على تعليم شعب كبير يسكن مساحات واسعة من الأرض تبلغ أكثر من مليون كلم مربع في الجبال والأدغال والسهول والشواطئ إلى درجة أن يجند من هذه الأرض الواسعة جيشا يفهم هذه اللغة نتيجة لهذا التعليم ... هذا محال.
هذه مقدمات اعتقد أنها سليمة ومسلم بها وأذن فلا بد أن تكون النتيجة سليمة ومسلم بها أيضا. وبناء على ذلك فلا مندوحة لنا من القول بأن هذا الشعب عربي، إلا انه كان عربيا حميريا بعد عن مواطنه الأصلية وانعزل عن بني عمومته العدنانيين فلغته التي يتكلم بها عربية حميرية أو سبائية فهو لذلك لا يحتاج كبير عناء ولا طويل وقت لتعلم لهجة إخوانه العدنانيين، فالأمر لا يعدو الممارسة والمران، وهذا سر تفهمه واتقانه اللغة بمثل هذه السرعة كما ورد في التاريخ.
وهذا الأصل العربي يفسر لنا أيضا أن المغاربة القدماء عندما اقبلوا على الدين الإسلامي يعتنقونه وعلى الفاتحين يرحبون بهم، كانوا يعلمون أنهم عرب وان هؤلاء إخوان لهم منقذون وان الذين هو دينهم نبع منهم ومن طبائعهم وأمزجتهم فحملوا رسالته، يفتحون الأمصار باسمه في حماس يشبه حماس المهاجرين والأنصار.
وأخيرا عساني وفقت فيما أوضحت بهذه المحاولة التي رجوت بها القربى إلى الله والإسلام والعروبة، وأبطال دعوى حاول المستعمر أن يقيم بناءه عليها في شطرنا المغربي.
واتينا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا.
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب.