وكان أول من قالها من المغاربة ابن خلدون المؤرخ والعالم الاجتماعي الشهير، لقد سجلها في تاريخه نقلا عن الرومان مستعمري هذه المنطقة في القديم. ومن الصعب على باحث أن ينقض قولا قال به مؤرخ اجتماعي حجة كابن خلدون، فلو أن مؤرخا غير ابن خلدون قال ذلك لسهل رده باعتبار القول افتراء مغرضا من أجنبي له من وراءه أهداف، ولكن ابن خلدون عن حسن نية أعطى الأجنبي سلاحا استعمله بعد قرون ضد بني قومه، فكاد يصرعهم لولا تماسكهم وقوة شخصياتهم وميزاتهم التي أصلها بها أمجادهم الإسلامية وإيمانهم بهذه الأمجاد. لقد صمد شعب المغرب لهذا السلاح منذ سنة 1912 حتى سنة 1956 فخرج ظافرا سليما إلا من هذه العقدة (عرب وبربر) التي تركها لنا ابن خلدون عفا الله عنه.
احتل الفرنسيون المغرب وفي سنة 1912 قضوا على سيادته، وأرادوا أن يثبتوا هذه السيادة والسيادة لا تثبت عادة إلا بالتفرقة بين صفوف الشعب الذي يبغون أن يسودوا عليه، فهو شعب يدين بدين واحد هو الإسلام فلا أقليات دينية فيه، وهو شعب يتمذهب بمذهب واحد هو المالكية فلا طائفية، وقديما كانت الأقليات الدينية والطائفية أمضى سلاح المستعمرين، ففكر الفرنسيون ولم يطيلوا التفكير فوجدوا قولا لإسلافهم الرومان يؤيده قول مواطن مغربي محترم، هذا القول هو أن سكان المغرب القدماء بربر والمحدثين عرب. وإذن وجدوا السلاح المطلوب فشحذوه بالظهير البربري الذي يصفه إخواننا المغاربة (بالمشوم). نعم لقد كان مشموما بأهدافه ومراميه لكنه كان ميمونا مباركا بمفعوله الذي أيقض المغرب فوحده وأبطل سحره بظهور الشخصية المغربية التي أثبتت وجودها في وقتها المناسب.
الشخصية المغربية أبطلت سحر المستعمرين ولكنها لم تبطل سحر ابن خلدون، هذا السحر الذي يجب أن يبطل، يجب أن ننتزعه من جذوره كلها، أن الإبقاء عليه كامنا يختفي بين الضلوع خطر كإبقاء الجمر تحت الرماد، يخفيها الهدوء والركود ويسعرها هبوب العاصفة، لقد حاولت -متجرءا- قلع هذه الجذور وكانت محاولة تصلح لان تكون خطوة أولى في هذا الباب السبيل يخطو على آثارها باحثون معنيون في هذا الموضوع، متوفرون باختصاصاتهم على استكماله.
كان دليلي الأول في محاولتي تعريف كلمة (بربر) والبحث عن أصلها ومن استعملها وعلى من أطلقها، فعلمت أن كلمة بربر يونانية الأصل، كانوا يطلقونها على لك من لم يتكلم بلغة غير لغتهم من شعوب العالم كما نطلق نحن العرب كلمة عجم على كل من لم يتكلم لغتنا من شعوب العالم أيضا. وجاء بعدهم الرومان فضيقوا حدود استعمالها وحصروها بكل شعب لم يخضع لسلطانهم ولم يتقبل حضارتهم، فالشعب الذي لا يتصف بهذه الصفات فهو (بربري) أي غير متحضر، وكان هذا الوصف يطلق على كثير من شعوب أوروبا حتى في العصور الوسطى ومن الثابت أن أول من أطلق هذا الوصف على شعب المغرب هم الرومان زمن احتلالهم تلك البلاد لعدم خضوعه لهم. وإذن ف (بربر) باستعمالها الأول كان يقصد منه الوصف لا الجنس أو العرق.
وكان دليلي الثاني هو أن: ما ظهر في الآثار المكتشفة في أواخر القرن الماضي في مصر يدل دلالة قطيعة أن هؤلاء القوم الذين اسماهم الرومان (بربرا) هم عرب من اليمن. هذه الآثار تقول أن تجار العرب من اليمن وحضر موت وصلوا إلى ليبيا عبر مصر واستمروا في أسفارهم حتى استقروا في المغرب. وفي زمن آخر عبر البحر إليهم إخوان لهم من ارض كنعان وسبأ فاستقروا معهم.
وطريق حضرموت -الهند أو حضر موت- سبأ - البلقا - مصر - المغرب برا وبحرا، طريق يعرفه عرب اليمن منذ عهد الأسرة الفرعونية الحادية عشر، أي قبل المسيح بألفي سنة.
وأوردت دليلا ثالثا من أقوال النسابين، فقلت أن كل من ذكر (البربر) منهم نسبهم إلى العرب بقول مطلق، والاختلاف الذي حصل بأقوالهم كان: إلى أية قبيلة ينتمون من قبائل العرب؟ فهم ينسبون طورا إلى حمير وطورا إلى سبأ وطورا إلى غسان أو إلى لخم أو إلى جذام وهكذا. ويلاحظ أنهم اتفقوا في هذا الاختلاف على أنهم عرب من أصل يماني قحطاني، فكان أن واحدا منهم لم يقل أنهم غير عرب لم يقل أنهم عدنانيون.
ويقول ابن خلدون أن قبائل زناتة حميريون وجدوا هناك من أزمنة متطاولة لا يعلم أولها إلا الله. وقال لقد تفرع من هذه القبائل شعوب أكثر من أن تحصى مواطنها من طرابلس إلى تلمسان إلى وادي ملوية. ويقول أن أصل كلمة زناتة متطورة عن كلمة (جانا) وجانا هذا هو ابن ضريس ابن جالوت، وجالوت هذا هو العربي الفلسطيني الذي حارب اليهود وقتله داوود. وهذا القول يؤيد قول بعض النسابين ويؤيدهما ما ظهر من الآثار: إن قبائل كنعان بعد جلائها من أرض فلسطين قدموا المغرب عن طريق مصر فتوطنوه فإذا ما ثبت أن قبائل زناتة-بالذات عربية- فقد أثبتنا أن أكثر من تلتي سكان المغرب العربي في طرابلس وتونس والجزائر والمغرب، القدماء عرب.
هذه خلاصة ما أوردته في كتابي 14 يوما في المغرب من أدلة على عروبة البربر فيه وفي مطالعاتي الأخيرة التمع في خاطري دليل آخر ليس بأقل أهمية من تلك أورده فيما يلي: