في صباح يوم السبت 4/ 5/1957 دخلت المغرب عن طريق مطار الدارالبيضاء الواقعة على الشاطئ الأطلنطي غرب المغرب، وفي مساء يوم الخميس بتاريخ 16/ 5/1957 خرجت منه عن طريق مطار تطوان على مقربة من شاطئ الأبيض المتوسط في شمال المغرب.
لقد قدرت لي هذه الزيارة من غير أن أبيت نية لزيارتها، فقد دعت وزارة الخارجية المغربية من صحف بغداد جريدة اليقظة وجريدة الشعب لحضور افتتاح معرض الدارالبيضاء لسنة 1957، فكنت مندوب اليقظة وكان السيد يحي قاسم صاحب جريدة الشعب مندوب جريدة الشعب. وكان منهج زيارتنا مرصوصا بالزيارات والمقابلات والتنقلات. لقد كان المظروف أوسع من الظرف ومع ذلك اتسع الظرف الضيق للمظروف الواسع.
زرت في هذه المدن أكثر أمهات الدن المغربية كالرباط والدار البيضاء ومراكش وفاس ومكناس وطنجة وتطوان، وشاهدت أوسع ما يمكن مشاهدته في مثل هذه المدن من مساحات واسعة جبلا وسهلا وشواطئ وأريافا ومصائف ومنابع وآثار وخالطت اكبر عدد ممكن من خاصة شعبه وعامته، فوجدت انسجاما رائعا بين تلك التربة الخصبة الجميلة وبين نابتتها من بشر وشجر وزهر. لم يتسع وقتي هناك لأجمع بين تنفيذ المنهج الحافل وبين الكتابة، فكنت اجمع المعلومات والوثائق وأسجل الملاحظات رموزا على مفكرة جيب، وبعد عودتي أصبحت الرموز مقالات طوال والمقالات كتابا اسمع "14 يوما في المغرب" عدد صفحاته 228 صفحة؛ لقد أمدني المغرب وشعب المغرب بهذا الفيض، اما مقدار توفيقي فيه فذلك ما لا يمكن أن اقدره أنا ولا يمكن أن تقدروه انتم، وينحصر حق تقديريه بالقارئ المغربي الذي يحسن التقدير لأنه يعيش الحياة التي كتبت عنها. ومما يبعث الهناءة في نفسي إني رأيت القارئ المغربي يقدر ذلك التوفيق بالمقدار الذي احمد الله عليه، فقد علمت أن الصحف المغربية والإذاعة قد استقبلت ذلك الكتاب استقبالا زادني شكرا لله، وقد كتب إلى العالم الأديب البحاثة السيد عبد الله كنون، صاحب الأبحاث المفيدة والتأليف الأدبية الجليلة العديدة ما يلي:
"لقد استوعبتم من أحوال المغرب في أيام معدودة ما لا يستوعبه بل لم يلم به -فقط- غيركم في شهور، وتحدثتم عن ماضيه وحاضره ومشاكله حديث المطلع الخبير مع إعطاء كل ذي حق حقه -كما أعجبت بكثير من الالتفاتات الذهنية والوصفية- حقا لقد وضعتم يدكم على مفتاح الشخصية المغربية فلم تخف عنكم ما جريات الأحوال في هذه البلاد وذلك من دقة الحس وقوة الملاحظة".
وبالطبع كان سروري بهذا التقدير وبتلك التعليقات بالصحف والإذاعة المغربية، أكبر من سروري بتقدير أدبائنا ومفكرينا وصحافتنا الدين قابلوا فيه كتابي هنا في بلادنا المشرقية.
وهنا أود أن أقول لإخوتي إني تحدثت إليهم عن كتاب الفته وعما استقبل به من تقدير لموضوعه وإعجاب لأسلوبه وعرض لمنهجه وموضوعيته، أن أحدثكم عن ذلك كله لغرض الدعاية لذلك الكتاب، فان حديثي لم يكن على كل حال لغرض دعوى عبقرية التي نظر إليها الأعمى وأسمعت كلماتها الأصم في تأليف كتاب بمدة 14 يوما. أنا لم أؤلف كتابا في 14 يوما وإنما كانت مدة إقامتي هذه المدة. اما التأليف فقد استغرق شهور ثلاثة كنت أقدمه على شكل مقالات تنشر في جريدة اليقظة تعبت سبابتي خلالها في تقليب الصفحات وأفكاري بالفور بين السطور. لقد رجعت إلى مصادر عديدة درست فيها تاريخ المغرب حاضره وماضيه، ثم هذه الوثائق الرسمية التي صحبتها معي ولم يبق إلا التعليق والملاحظة، وهذا لا يحتاج عبقرية فائقة، وكل حاجته تنحصر في صدق التعبير ودقة التصوير وقوة الملاحظة ورهافة الحس يمد ذلك شيء يسير من أدب يقوم بمهمة حصر الموضوع وتنظيمه. إذن فلم ادع العبقرية ولا أنكر أني صغت دعاية صادقة لكتابي ولا تثريب علي في ذلك إن كانت الدعاية صادقة.
كنت تحدثت في الكتاب عن شعب المغرب واصله حديثا خالف كل من كتب في هذا الموضوع من فرنج ومن عرب في شرق وفي غرب. لقد حاولت أن اثبت عروبة شعب المغرب منذ أقدم الأزمنة، فليكن حديثي الليلة في هذا الموضوع لانسجامه مع اسم ناديكم نادي العروبة ومسماه المتمثل بكم وبأهدافكم ومناهجكم.
كنت أوردت أدله عديدة تدعم مدعاي في عروبة شعب المغرب منذ القدم وسألخصها هنا وأضيف إليها دليلا جديدا لم اذكره في كتابي معتزا به وسيكون سندا قويا لا يقل قوة عن إخوته الأدلة التي سبقته.
أكثر من كتب عن المغرب في عهديه القديم والحديث هم الأجانب منذ الرومان حتى عهد الأسبان والفرنسيين وكتب عنهم العرب أيضا ولكن اقل مما كتب أولئك بكثير وكل هؤلاء قالوا أن شعب المغرب قبل الإسلام قوم بربر من أصل غير عربي طبعا وادعى الكتاب الفرنج في العهد المتأخر أنهم من أصل أوروبي انحدر من الشمال فعبر المضيق واستقر في المغرب وأصبح هذا القول شائعا، بل أكثر من شائع، فان قول: إن المغاربة القدماء بربر وفي المغرب اليوم قوميتان مختلفتان هما عرب وبربر، هذا القول أصبح عقيدة يقول فيها المغاربة أنفسهم العرب منهم والبربر.