عشر ألف دينار في السنة، وكان عدد طلبتها ستة آلاف فيهم ابن أعظم العظماء في المملكة وابن أفقر الصناع فيها، غير أن ابن الفقير ينفق عليه من الريع المخصص للمدرسة وابن الغني يكتفي بمال أبيه، والمعلمون كانوا ينقدون رواتب وافرة".
وقصة العلم عند المسلمين وما حققوا فيه من قضايا في كل أنواعه العقلية والنظرية والتجريبية قصة طويلة تملأ النفس عزة وفخارا وما توصل المسلمون فيها إلى ما توصلوا إليه إلا لأنهم كانوا يعملون لدنياهم كأنهم خالدون فوق الأرض عملا بتعاليم دينهم وفي الوقت نفسه يتقون الله ويخشونه ويتحلون بأسمى الصفات الخلقية ويعملون لآخرتهم كأن الموت مداهمهم في كل حين.
وعهدنا بالديانات لا تدعو لشؤون الدنيا والأرض وإنما تحض على شؤون الآخرة والسماء، أما الإسلام فقد جمعت دعوته بين الحسنين وذلك سر انتشاره وسر بنائه في عصر الظلمات الغربية لتلك المدنية المشرقة الإسلامية.
إلا أن هذا الجسم الذي كان قويا نشيطا بعد أن بلغ ذروة قوته ونشاطه نراه يقف في نموه ويعقب ذلك الوقوف وتقهقر كاد يؤدي به إلى الفناء لولا أن تداركه الله بمن بحث علله وحاول إزاحتها وأننا لنستغرب كثيرا من هذا الذي طرأ على جسم الحضارة الإسلامية، لان حضارات أخرى قبلها اعتراها مثل هذا الانحطاط ولأكنه أدى بها إلى الفناء فزالت وخلفتها حضارات غيرها كالحضارة المصرية القديمة وحضارات ما بين النهرين الأكاديمية والأشورية والبابلية والحضارات الفينيقية واليونانية والرومانية وغيرها، اما الحضارة الإسلامية فقد استطاعة أن تقوم من كبوتها وتستدرج بعض مجدها.
ولنعد الآن للكلام على العلل التي اعترت جسم الحضارة الإسلامية حتى سببت لها ذلك الخمود الطويل الشبيه بالموت، أولى تلك العلل وقد ظهرت في فجر الإسلام إلا أن عناصر الخير كانت أقوى فلم تؤثر كبير اثر على مجموع الجسم، هذه العلة الأولى هي التفرقة التي حصلت في صفوف المسلمين وكانت في أصلها خلافا سياسيا اصطبغ كما هو الشأن في كل ما يمس الإسلام بصبغة دينية وعندما نحلل صفات المسلمين أيام انحطاطهم نرى أن جذورها ترجع إلى هذه الخلافات وما تسرب إلى الإسلام بسببها من ضلالات وبدع روجها أعداء الإسلام من يهود ومجوس ونصارى وملحدين، إذ كان كل فريق يحاول الانتصار على الفريق الآخر بالاستناد إلى مراجع دينية من آيات قرآنية يحولونها عن مواضعها ويؤولونها تأويلات توافق إغراضهم وشهواتهم لأنهم لا يستطيعون وضع آيات قرآنية، لان الله تبارك وتعالى تكفل بحفظ القرآن الكريم. اما حديث الرسول عليه السلام فإنهم لم يكتفوا بتوجيهه لصالح دعوتهم وضلالاتهم بل عمدوا إلى الوضع والكذب رغم ما ورد من الوعيد في ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار. وهكذا شوهوا محاسن الإسلام وعدلوا به عن طريقه السوي فتفرقت الكلمة وضعف بذلك شأن المسلمين مما جعل أعداءهم يتألبون عليهم وهذه العلة الثانية من العلل التي سببت انحطاط الحضارة الإسلامية، فان تلك الخلافات مع عوامل أخرى تاريخية ليس هذا محل تفصيلها طمعت المسيحيين في بلاد المسلمين فكانت تلك الحروب الصليبية. وهي أن اذكت من ناحية الروح الدينية في الجماهير الشعبية فإنها من جهة أخرى كانت سببا في إقبال العامة على الالتجاء إلى الخوارق العادة من الأدعية والتوسل والتواكل للخلاص من المصائب التي انكبت على بلاد المسلمين، ومثل هذا وقع في الجناح الغربي للبلاد الإسلامية حيث ضعف السلطة في الأندلس أيام ملوك الطوائف شجع الإسبان على استرجاع سلطتهم إلا أن المرابطين أخروا هذه النهاية إلى أربعة قرون بعد ذلك، وما نجحوا في المحافظة بالأندلس للإسلام إلا لان دعوتهم كانت تشبه من عدة نواحي الإسلام في أول ظهوره وقد أصابهم ما أصاب غيرهم عندما تخلوا عن تلك الأخلاق الإسلامية السامية.
وقد زاد الطين بلا في البلاد المشرقية هجوم قبائل التتر المتهجمة على البلاد الإسلامية وعبثهم فيها وتقتيلهم للبرآء من النساء والأطفال وتخريبهم للمدن وإحراقهم لخزانات الكتب، فنتج عن كل هذه العوامل انحطاط في المدارك وفشو الجهل بين طبقات الشعب فاستغل المشعوذون والمضللون هذه الظروف للتحكم في نفوس العامة وانتشرت العقائد الباطلة البعيدة عن روح الإسلام وتمكنت عوائد لا تمت إلى الدين الحنيف بصلة واخذ العالم الإسلامي يرجع إلى الوراء وصار ويعتقدون أن هذا الدين العظيم الذي بلغ بمعتنقيه أن هذا الدين العظيم الذي بلغ بمعتنقيه أيام كانوا مسلمين حقا ذروة المجد والتقدم هو ما يرون عليه المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
وقد نتج عن هذه الحالة السيئة في القرنين السادس والسابع أن اخذ بعض الملهمين من علماء الإسلام يفكرون في أسباب هذا الانحطاط وهذه الحالة التي صارت عليها البلاد الإسلامية، وان الذي توفق إلى اكتشاف السر وتشخيص العلة هو الإمام ابن تيمية رحمه الله.
وقد توفق كذلك إلى وصف الدواء إلا أن أولئك المستغلين لغباوة العامة وجهلهم كانوا لا يزالون هم الأقوياء فلم يستطع النجاح في علاج الجسم الإسلامي مما حل به ولكنه وضع الأسس للمصلحين من بعده الذين استطاعوا أن يخرجوا أفكاره وأقواله إلى حيز