تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون". ويجعل العبرة كذلك في ما يقصه على عباده من إخبار رسله وأنبيائه؛ ومن ذلك قوله تعالى في سورة سبأ: "ولقد أتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير والينا له الحديد أن اعمل سابغات وقدر في السرد". وقوله كذلك في نفس السورة: "يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات، واعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور".

ثم إن الإسلام في مخاطبته للعقل وتوجيه إلى النظر في الكون فسح المجال للبحث، فلذلك من مبادئه الحض على طلب العلم لأنه حيث أطلق العنان للعقل ليصل إلى اكتناه الطبيعة حبب إليه كذلك الإقبال على العلم والمعرفة والبحث عنهما بل جعل طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، وحث على اخذ العلم والحكمة أين ما وجدا بدون اعتبار عقيدة صاحبهما إذ الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها كما قال عليه السلام. وقال تعالى: "يوتي الحكمة من يشاء ومن يوت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب" وقال في وصف المسلمين حقا: "الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه" وحديث اطلبوا العلم ولو في الصين مشهور يدل على هذه القيمة العظيمة التي يوليها الإسلام للعلم.

جاء الإسلام كذلك بمبدأ خلقي عظيم وهو الصبر والثبات وكانت هذه الفضيلة مما جعل من المسلمين الأولين الإبطال الصناديد الذين صبروا في السراء والضراء لان الصبر ليس فقط على المكاره ولكن الصبر كذلك صبر النفس على عدم الانقياد للشهوات والانغماس في الملذات.

ومن المميزات التي تمتاز بها الدعوة الإسلامية حرية الفكر وعدم الانقياد إلا للحق فلا راهب يجب عليك الانقياد له والعمل برأيه حتى في شؤونك مع الله فأنت حر في كل تصرفاتك بشرط أن لا تضر بغيرك وان لا تخرج عن المبادئ التي اعتنقتها عن طواعية واقتناع ولا سلطة دينية كيف ما كان أمرها تتدخل في أفكارك وعقيدتك.

والإسلام كما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم دين المساواة الحقة فلا فضل لعربي على عجمي إلا بتقوى الله، والمرأة والرجل أمام الشرع لهما نفس الحقوق فالنساء شقائق الرجال في الأحكام.

والإسلام دين التسامح قال تعالى في سورة الحج: "وما جعل عليكم في الدين من حرج" وقال في سورة البقرة: "لا إكراه في الدين فقد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها" ويرشد نبيه عليه السلام إلى طريق الدعوة المسالمة بقوله تعالى في سورة النحل: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو اعلم بمن ضل عن سبيله وهو اعلم بالمهتدين" ويقول تعالى في سورة الأنعام: " ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم" إلى غير هذا من الآيات البينات الدالة على سمو هذه الدعوة.

وكما جاء الإسلام بهذه المبادئ الايجابية وغيرها من فضائل الأخلاق التي إن أردنا أن نحصيها ما وسعنا هذا الزمن كذلك نهى عن كثير من الصفات التي تقعد بصاحبها عن بلوغ ما يريده الإسلام للإنسانية من هناء وعز وسؤدد.

فمن ذلك انه يشدد النكير على المتواكلين الذين يخلدون إلى الخمول والكسل فاهمين قوله تعالى "وفي السماء رزقكم وما توعدون" فهما معوجا وقد رأى الخليفة عمر ابن الخطاب رضي الله عنه جماعة متسكعين بالمسجد فسألهم من أنتم؟ فقالوا: "نحن المتوكلون" فعلاهم بالدرة (وهي سوط كان يضرب به من يستحقون العقاب) وقال لهم: "بل انتم المتواكلون، لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق وهو يقول: اللهم ارزقني وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة".

وباختصار فان الإسلام جاء بدعوة تكفل لمن طبقها على حقيقتها ولم يحد عن طريقتها السعادة في الدارين فهو دين الدنيا والآخرة وقد قال عليه السلام: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت إذا" وهذا هو الدستور الذي بنيت عليه الحضارة الإسلامية فبهرت العالم بما أنجزته في ميادين العلوم والفنون والاكتشاف والعمران وضخامة المدنية مما تعلمون تفاصيله ولا يزال كما قلت قبل يطلع علينا العلماء بنواح برز فيها المسلمون ووصلوا إلى مكنوناتها قبل هذه المدنية الحديثة بمئات القرون.

وليس موضوعنا الكلام على ما بلغت إليه هذه الحضارة الإسلامية بفضل تعاليم الإسلام وإنما نمهد بكل هذا للكلام على الأسباب التي أدت بالمسلمين إلى الانحطاط والجمود وعدم مسايرة التقدم بعد أن كانوا قادة الدنيا وهنا أريد أن انقل لكم نصا للعالم جبون الانجليزي من رجال القرن الثامن عشر في معرض كلامه على اعتناء المسلمين بالعلم في الشرق والغرب: "إن ولاة الأقاليم والوزراء كانوا ينافسون الخلفاء في إعلاء مقام العلم والعلماء وبسط اليد في الإنفاق على إقامة بيوت العلم ومساعدة الفقراء على طلبه، وكان من ذلك أن ذوق العلم ووجدان اللذة في تحصيله قد انتشرا في نفوس الناس من سمرقند وبخاري إلى فاس وقرطبة، انفق وزير واحد لأحد السلاطين هو نظام الملك مائتي ألف دينار على بناء مدرسة في بغداد وجعل لها من الريع ما يصرف في شؤونها خمسة

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٢٩٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٢٩٦