تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الوجود، وهذا أصل الحركة السلفية. لذلك ليمكننا أن نعرفها على حقيقتها ينبغي لنا أن نقف ولو وقفة صغيرة عند حياة هذا الإمام الجليل لنرى آراء وأفكاره وهي التي سادت بعد أربعمائة سنة أولا في الجزيرة العربية عند ما قام محمد بن عبد الوهاب بدعوته الإصلاحية التي اعتنقها احد أمراء نجد محمد بن سعود ونتجت عنها الدولة الوهابية السعودية وثانيا عندما قام مائة سنة بعد ذلك جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده بالدعوة إلى الإصلاح وكانت أسس هذه الدعوة أفكار ابن تيمية ونظرياته الفلسفية.

ولد تقي الدين أبو العباس احمد بن تيمية الحنبلي بحران قريبا من دمشق سنة 661 (1263م) وانتقلت عائلته فرارا من التتر إلى الدمشق وبها درس على علمائها وظهرت نجابته وكان من بيت علم، كان والده أستاذ الفقه الحنبلي بدمشق وقد خلفه عند مماته وسنه لم تتجاوز العشرين سنة، واخذ ينمي معارفه في كل أبواب المعرفة حتى تضلع في علوم التفسير والحديث والفقه والكلام والفلسفة ولكنه اقبل بكليته على تدبر القرآن ومقارنة ما يوحى به وما عليه المسلمون فتوصل إلى أن أصل كل المصائب الابتعاد عن أوامره ونواهيه واخذ يدرس الحديث بهذه الروح واستعمل في ذلك حرية التفكير التي اكتسبها بتدبر القرآن فبلغ مكانة عالية في معرفة صحيح الحديث من ضعيفه ولم يستثن في نقده كتابا من كتب الحديث، وخرج من كل هذه الدراسات بفكرة محاربة البدع وتصفية الإسلام من الشوائب التي أدخلت عليه ولا يتأتى ذلك إلا بالرجوع لما كان عليه السلف الصالح ورأى أن الحياة التي كان يستمد منها الإسلام

قوته وحيويته ووسائل تجدده ومسايرته للتطور لان التقليد كان يمنع من البحث عن حلول جديدة تقتبس من الكتاب والسنة والأصول الأخرى للاجتهاد لما يتجدد من مسائل في الفقه وفي الحياة الاجتماعية بكيفية عامة زد على ذلك أن التأثيرا الأجنبية والتأويلات التي تتراكم مع الأجيال على مجموع المعارف الإسلامية من تفسير وحديت وفقه وأصول وكلام وتصوف لا يمكن مراجعتها والنظر فيها من جديد إذا كان الاجتهاد محجرا، لذلك كان من المبادئ الأساسية التي دعا إليها ابن تيمية محاربه التقليد والتعويل قبل كل شيء على الكتاب والسنة ومحاربة البدع والقضاء عليها، وقد كان لمذهب الإمام احمد ابن حنبل رضي الله عنه يمتاز بتمسكه بنصوص الشريعة الأولية التي لم تدخلها التأثيرات الفلسفية والمجادلات المنطقية من غيره، فلذلك اكب على دراسة آثار علماء المذهب الحنبلي ممن سبقه وتمييز غنها من سمينها إذ كان تسرب إليها وطرأ عليها مثل ما تسرب إلى المذاهب الأخرى.

ثم بعد كل هذا بدا ينشر أفكاره بواسطة الدرس والوعظ والتأليف فقام ضده جماعة ممن يرون عن حسن نية أو لحاجة في نفس يعقوب أن الإسلام هو ما هم عليه من الالتجاء إلى التوسل والاعتماد عليه في قضاء الحاجات وزيارة المقابر والاستشفاع بأصحابها إلى غير ذلك من البدع التي ناهضها ابن تيمية، وقد لاقى في سبيل دعوته الإصلاحية مشاق وعذابا فسجن مرارا بالقاهرة ودمشق، وفي المرة الأخيرة قضي بالسجن القلعة من العاصمة الأموية أكثر من سنتين حتى توفي سجينا بها سنة 728 (1328) وقد خرج في جنازته أكثر من مائتي ألف من سكان دمشق من الرجال وخمسة عشر ألف من النساء.

ومن تلاميذ ابن تيمية الكبار عماد الدين بن كثير الشافعي صاحب التفسير السلفي المشهور وقد توفي سنة 774، وقد كان له ولابن القيم ولتلاميذ ابن تيمية الآخرين الفضل في تنبيه علماء الإسلام إلى الدعوة الإصلاحية إلي قام بها ابن تيمية وان هذه وان لم يكن لها اثر عمليات في النهوض بالشعوب الإسلامية في تلك الحقبة التي بدأت فيها النهضة الأولية فإنها كمنار يهتدى به من ينشدون الإصلاح حتى قبض الله لها زعماء النهضة الإسلامية في القرن الماضي وفي هذا القرن.

وينبغي لنا أن نتعرض لشخصية أندلسية من رجال الإصلاح وهو أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الغرناطي الشهير بالشاطبي المتوفى سنة 790، وان نبوغ هذا المصلح الكبير في البلاد المغربية وفي العصر الذي كانت السلطة الإسلامية في الأندلس على أبواب الانهيار جعلت الأجيال التي جاءت بعده تغمطه حقه وإلا فان ما وضعه من أسس لمحاربه البدع وتحليل مظاهرها ومفاسدها في مؤلفاته الجليلة خصوصا كتاب الاعتصام الذي نشره الإمام رشيد رضا سنة 1914 كان لها اثر كبير على رجال الإصلاح في أوائل هذا القرن، وقد قال عنه رشيد رضا في فصل التعريف بكتاب الاعتصام الذي صدر به طبعته: "ولولا أن هذا الكتاب في عصر ضعف العلم والدين في المسلمين لكان مبدأ نهضة جديدة لإحياء السنة وإصلاح شؤون الأخلاق والاجتماع ولكان المصنف بهذا الكتاب وبصنوه كتاب مرافقات الذي لم يسبق إلى مثله سابق أيضا، من أعظم المجددين في الإسلام، فمثله كمثل الحكيم الاجتماعي عبد الرحمان ابن خلدون كل منهما جاء بما لم يسبق إلى مثله ولم تنتفع الأمة كما كان يجب بعلمه".

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٢٩٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٢٩٨