تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س2، ع8 /ماي 1959 .................... ص 12

السلفية وأثرها في النهضة الإسلامية

"المحاضرة التي ألقاها الأستاذ محمد الفاسي بنادي

اتحاد الطلبة المغاربة بالرباط"

لما طلبت مني جمعيتكم أن أحاضركم في موضوع السلفية رجعت بمذكرتي إلى أيام دراستي الثانوية، وقد كانت آنذاك الحركة السلفية عندنا في مرحلة الكفاح وبث الروح التجديدية والتحريرية بكل معاني التحرر، وكنا نحن تلاميذ الأقسام العالية من ثانوية مولاي إدريس ونخبة من طلبة القرويين من حاملي لواء الدعوة للإصلاح التي يتزعمها أساتذتنا وعلى رأسهم شيخ الإسلام سيدي محمد بن العربي العلوي أطال الله عمره وكان من حسن حظ هذه الحركة بل ومن خير مستقبل المغرب بكيفية عامة أن كان الأساتذة المشار إليهم يدرسون بالقرويين وبالثانوية فكان ذلك من أقوى عوامل لتوحيد الاتجاه الفكري الثقافي عند شباب ذلك العصر الذي كانت تنتظره رسالة طوقته بها ظروف بلاده وكانت رسالة شاقة تتطلب منه الانقطاع لها والإخلاص والتفاني وقد ساعده على تحملها ذلك الحماس الذي استطاع أن يبثه في روحه أولائك الأساتذة واليهم يرجع الفضل في توحيد الشباب نحو الثل العليا التي عمل لها حتى انتصرت والحمد لله.

ومن واجب أساتذة اليوم أن يحافظوا على تلك الشعلة وان يبثوا مثل تلك الروح في نفوس طلبتهم حتى يتم الإصلاح في كل الميادين ويسود المغرب الدين الإسلامي الصحيح الذي يكفل السعادة للمتشبثين بمبادئه السامية.

وبعد فما هي هذه الحركة السلفية؟ وما هي الدواعي التي جعلتها تنبثق في البلاد الإسلامية وقد بلغت درجة قصوى في الانحطاط؟ وما هي الأصول التي تستند عليها؟ ذلك ما أريد أن أحدثكم عنه وبعد ذلك نرى الأثر الذي كان لهذه الحركة المباركة في الإصلاح الديني والسياسي في البلاد الإسلامية شرقا وغربا.

بعث الله تعالى النبي محمدا صلى الله عليه وسلم برسالة لكافة البشر أساسها الاعتراف بالكرامة الإنسانية مما لم يسبق له مثيل لا في الديانات ولا في الفلسفات الموضوعة، وذلك أن البشر كان قد بلغ درجة من الاستعداد الفكري تمكنه من تحمل مسؤوليته فكان من أثر ذلك أن أسقطت الوسائط بينه وبين ربه وكان المكلف مباشرة المسؤول عن أعماله لا رقيب عليه إلا الله، وقد كان لهذه الروح السامية أثرها في ما قام به الإسلام من أعمال جليلة، وقبل كل شيء متجهة نحو العقل مركز التفكير قال تعالى في سورة العنكبوت "وقالوا لولا انزل الله عليه آية من ربه قل إنما الآيات عند الله، وإنما أنا نذير مبين" يقول لهم لم ابعث بخوارق العادات وإنما جئت بنظام ابشر من اتبعه بالسعادة في الدارين وانذر من خالفه بالخيبة وسوء المصير ويقول سبحانه وتعالى في سورة يوسف "وكأي من ءاية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون" منبها عباده إلى وجوب الاعتبار والتفكير في مظاهر الكون، واستجلاء نواميسها، ومن ذلك قوله تعالى في سورة الغاشية: "أفلا ينظرون إلى الإبل كيف نصبت والى الأرض كيف سطحت".

والآيات في توجيه اهتمام الإنسان لشؤون الكون والطبيعة مما تمتاز به الدعوة الإسلامية بذلك الطابع الذي لا زال المخصصون في الدراسات الإسلامية يكتشفون منه جوانب مجهولة إلى الآن.

وجاء الدين الإسلامي كذلك بالتنويه بالعمل وإحلاله المكانة الأولى حتى إن أكثر الآيات التي يرد فيها الكلام على الإيمان تقترن بالنص على العمل؛ من ذلك قوله تعالى في سورة مريم: " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمان ودا" ومنه ما ورد في سورة الروم: "ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله" والعمل في القرآن يقصد به كل الفضائل الايجابية منها التي تتصل بالروح أو التي تتصل بالحياة الدينية. وفي القرآن من الحض على السعي لاكتساب الرزق واتخاذ الأسباب لذلك ما جعل المسلمين يتسارعون لترقية أساليب الزراعة والصناعات، فمنه قوله تعالى في سورة الجمعة: "فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون". ومنه قوله تبارك وتعالى في سورة يس: "وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخر جنا منها حبا فمنه يأكلون وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا من العيون

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٢٩٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٢٩٥