تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من كتاب الله إلى الكتب الأخرى وتمتد معهما الرغبة في النفوس إلى جمعها والإكثار منها ويتفاخر الأغنياء وذوو السلطات باقتنائها فتنشأ خزائن الكتب وتمتد وتصبح مضرب الأمثلة ومحط رجل طلبة العلم ورواد المعرفة.

فإذا لم يعرف المسلمون المحافل السياسية ودور التمثيل التي امتازت بها بلاد اليونان ورومة وذلك لأسباب لا مجال للتعرض لها الآن فقد أغنتهم الكتب عنها في تحصيل المعرفة ونشرها وبلغوا في العناية بها ما لم يبلغه أي شعب آخر وتشبعت نفوسهم بسمو محتواها وأذواقهم بجمال ظاهرها وتأثرت حياتهم بما استساغته نفوسهم وأذواقهم وأقاموا البرهان على نضوجهم الفكري والفني بالتراث - الضخم الذي خلقوه والذي يشهد على أن الثقافة لم تكن بينهم وقفا على طبقة فحسب بل على إنها كانت متغلغلة في أعماق الطبقات الشعبية التي كانت تقدر إنتاج العقل وتتذوق روائع الفن.

فلا عجب والحالة هذه في أن تكون صناعة الورق وهي حجر الزاوية في انتشار الكتب قد استأثرت باهتمامهم فخطت في الأندلس خطوات واسعة - لتمتد منها إلى الأقطار الأخرى كما امتدت منها عصارة الثقافة الإسلامية.

ولا عجب أيضا في أن يبرز شعراء عاميون يرتجلون الزجال والموشحات ويعبرون بواسطتها عن اسمي العواطف وارقها ويخلقون إنتاجا شعبيا يحتل مقامه في تاريخ الحضارة الإسلامية إلى جانب إنتاج كبار الأدباء والمفكرين.

فانتم ترون -سيداتي سادتي- من خلال هذا العرض ما بلغت إليه حضارتنا في عصور الازدهار من رفعة وسؤدد وما أدته التربية الدينية الواعية من خير في سبيل نشر الثقافة وجعلها شعبية بالمعنى الصحيح.

لكن يا للأسف أتت على المسلمين حقبة من الزمن تداعت فيها الهمم وضعف النشاط وانكمش الفكر على ذاته فانقطعت الصلة بين قادة الفكر والشعب وبانقطاع هذه الصلة غرق الشعب في الجهالة وانزوى المفكرون في إطار جامد بعيد عن مؤثرات الحياة بينما كانت شعوب أخرى تسير في سبيل التطور وتشق طريقها نحو الرقي وما أن فاق المسلمون من غفلتهم حتى وجدوا الركب قد فاتهم.

فماذا نشاهد الآن في عالمنا الحاضر؟

نشاهد في العالم كله هذا السيل الجارف في شتى الوسائل المستحدثة لتقريب مناهل المعرفة إلى رمادها بيد أن الطرق المتبعة ربما لا تخلو من خطر لان الشعور بما للعقل من قدرة قد أدى في بعض الأحيان إلى الثورة على كل ما لا يدركه العقل والى وضع سلطات العقل وحده فوق كل سلطان آخر فكم من عقيدة ضعفت أو تلاشت وكم من نفس عششت فيها الجرائم الشك ووقع صاحبها في حيرة يعجز العقل وحده عن إخراجه منها.

اما في الأقطار الإسلامية بصفة عامة فان الثقافة لم تمت بالرغم من تقهقر المسلمين وتقدم غيرهم لقد أخمد عصر الانحطاط شعلتها لكنه لم يطفئ جمرتها التي ظلت كامنة تحت الرماد تنتظر الفرصة السانحة لتشتعل ونحمد الله على ما بقي عالقا بها من الأسس الثابتة والوسائل المرنة ما يمكنها من اللحوق بالقافلة، على شرط أن ندرك واقع الحياة التي تجابهنا اليوم كما أدركها أجدادنا في القرون الأولى حين اتصلوا بالثقافة الأجنبية عنهم فلم يتضجروا بها بل اقبلوا عليها بتبصر وعرضوها على مقاييس دينهم العتيد فما وافقه منها أخذوه وما خالفه نبذوه.

فلا بد إذا من أن توجه ثقافتنا هذه توجها صحيحا لئلا تسير في منعرج الطريق بدلا من أن تسلك الصراط المستقيم ولا يمكن أن يأتيها هذا التوجيه إلا من التربية الدينية التي تعطي للعقل حقه كنعمة من نعم الله لا كأداة للثورة عليه سبحانه عز وجل.

ولقد قيض الله للثقافة الإسلامية في هذا المغرب العربي الإسلامي ملكا متشبعا بروح الإيمان وروعة الإسلام فوجه عنايته السامية ورعايته الشاملة نحو شؤون شعبه وإحياء تراث ثقافته وبعث سابق عزها وتالد مجدها وهو لا يألو داعيا إلى هذا البعث والأحياء في مشارعه التي لا تحتاج إلى بيان وخطبه العامرة بآيات الحكمة والبلاغة ودعوته المستمرة لشعبه الوفي. ولقد أقام لنا الدليل بالتربية المثلى التي لقنها لأبنائه الأمراء البررة على سمة التربية الإسلامية وقابليتها للتطور وملاءمتها لكل عصر وزمن.

فما علينا معشر المغاربة إلا أن تكون لجلالة ملكنا تابعين وبأعماله مقتدين ولوصاياه منفذين ولنا من إيماننا الثابت وعقيدتنا السامية وتراثنا الفكري المجيد خبر وازع للسير في السبيل الذي خطه لنا الأولون وربط حاضرنا بماضينا المجيد وبعث تراثنا الفكري لتكون لنا اليوم ثقافة شعبية صحيحة تحقق الأهداف المرسومة والغايات المنشودة وتعيد لنا في سلم الرقي درجتنا وفي ركب الحضارة مكانتنا.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٢٩٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٢٩٤