ومن قبيل هذا التعاون فريضة الزكاة التي تقضي على المسلم أن يخرج قدرا من ماله ليستخدم في المصلحة العامة.
اما الإيمان فهو خاص بالقلب ولا يعلم خفاياه إلا الله. ومن اجل الحصول على الإيمان وجه القرآن الكريم نظر الإنسان إلى الكون واستعرض ما فيه من كائنات ما فيه من معجزات تقيم الدليل على قدرة الله وتدعو الإنسان للإيمان به عن طريق الإقناع العقلي لا عن طريق التبعية والتقليد.
لكن القرآن لا يجرد الإنسان من واقع الحياة فيعطي للروح حقه وللجسد حقه. ويرسم للإنسان نهجا للحياة تتجلى فيه العقيدة الدينية بما تفرضه عليه من عمل للصالح العام. فالشعور الديني ليس إذن مجرد ترديد لفظي لكلمات تضمنت معنى العقيدة أو القيام بسلسلة من الشعائر إنما هو بالإضافة إلى هذا وذاك خدمة مخلصة واشتغال بالنافع طول الحياة. والدين الصحيح هو إذن الإيمان الحق بالله والإخلاص لله والحقيقة والانشغال بصالح الإعمال.
ولن يتسنى للمسلم تحقيق هذه الأهداف إذا كان جاهلا. ولذلك لا بد له من المعرفة وقد أوصى الرسول (صلعم) بطلبها من المهد إلى اللحد. ولكن ليست ذاتية العلم هي المتوخاة من طلبه بل ما تجنبه الأمية بواسطة من منافع تتجلى في الطمأنينة وخير المجموع.
فمن هذا العرض الوجيز الذي بينا فيه خصائص السياسة الدينية الإسلامية؟
إن الثقافة الحقة هي التي تنبعث من الحياة الشعبية وتستمد أصولها منها ثم تخرج إثرها في هذه الحياة بالعمل النافع. وهي نتاج مشترك بحياة ويعبر عنه الشعب باجمعه. ويمتزج فيها العلم والعمل لتكوين رجال مفكرين عاملين منتجين.
أفلستم ترون معي أن الإسلام يحقق للمؤمن العناصر الأربعة التي يجب أن تتوفر في هذه الثقافة؟ ألا ترون أن الإسلام يدعوا المؤمن إلى إدراك واقع الحياة واكتساب المعرفة وشحذ الفكر لابتكار ما فيه الصالح العام والتشبع بالحياة الجماعية؟
لكن الإسلام علاوة على ما تضمنه في جوهر العقيدة من عناصر الثقافة الشعبية الصحيحة جنح إلى مختلف الوسائل لنشرها والتشجيع على المزيد منها. وفي مقدمة هذه الوسائل.
أولا - خطب الجمعة - فهي تحتل مكانا بارزا في حياة المسلمين لأنها تقدم القول تغرس فيهم روح المساواة الاجتماعية والشعور الموحد وفي البادية حيث السواد الأعظم من الناس أميون تكاد خطب الجمعة تكون الوسيلة الوحيدة لتثقيف العام والتربية الدينية والاجتماعية.
ثانيا - الدعوة إلى الدين - فقد دفع الوازع الديني بالصحابة إلى التفرق في جميع الأنحاء لنشر العقيدة الإسلامية والسيرة النبوية وتوضيح إسرارهما وأهدافهما وهم في ذلك يفتحون للمهتدين أبواب الثقافة المغلقة وينيرون العقول المظلمة بنور الإسلام وهديه ويعززون دعوتهم بالحجج والأمثلة التي تكشف الحجاب عن مغلق العلوم وغامضها.
ولقد كانت المساجد مصدر الحركة الثقافية منذ انبثاقها ففيها عقدت أول حلقات الدرس الذي كان المقصود الأساسي منه توسيع الأفق الفكري وتعزيز الروح الدينية لما بينهما من صلة وثيقة لان الإسلام قام - كما سبق القول - على التعقل والإدراك لا على التقليد والتبعية ولذا كانت هذه الحلقات التي تغص بها المساجد مشعلا ينير الأفكار ويفتح العقول ويدخل الإيمان إلى القلوب مشفوعا باقتناع العقل واطمئنان النفس إلى الحقيقة التي يعمر بها قلب المؤمن وكلما ازداد معرفة ازداد إيمانه ثباتا.
ثالثا - حكاية قصص الأولين وقد استحدث هذا النوع في صدر الإسلام فكان من انجح الوسائل التي اعتمد عليها الإسلام في نشر تعاليم الدين والثقافة بين الأوساط الشعبية لما كانت تشفع به تلك القصص من حكم ومواعيظ في أسلوب شيق يملأ لب السامع ويحمله على الرغبة في المزيد منه وعلى الاستفادة في حياته العملية من حكمة تلك القصص.
وقد نما القصص بسرعة لأنه يتفق وميول العوام فكان كما سبق القول من أحسن الوسائل لنشر الثقافة الدينية بين الأوساط الشعبية والتعاليم الإسلامية بين جميع الطبقات.
رابعا - الخط - ولقد استمد هذا الفن مكانته من نزوع أربابه إلى تخليد كلام الله فأصبح فنا معززا مرغوبا فيه وساعد على نموه ما امتازت به الحروف العربية من قابلية للزخرفة ووجد المسلم فيه واسطة للتعبير عن عاطفته الدينية وإجلاله لكتاب الله وعما انطبعت عليه نفسه من تذوق الجمال فكان الخط إذن وسيلة مزدوجة لنشر الثقافة كأداة لتبليغ المعرفة من جهة وكباعث على تذوق الجمال الفني من جهة أخرى.
خامسا - صناعة تجليد الكتب وهي مكملة للخط ومؤدية إلى نفس الغاية التي تؤدي إليها ومؤثرة على نشر الثقافة ومتأثرة بها في آن واحد فالعناية بكتاب الله تتجلى من الناحية المادية في الإكثار من نسخه المخرجة بخط فني وتجليد هذه النسخ تجليدا فنيا رائعا يحبب إلى الناس اقتنائها والمحافظة عليها فتقترن روعة الباطن بجمال الظاهر وتجد النفس نشوة في ترديد الآيات الكريمة والعين متعة في تصفح النسخ الفنية التي حوتها ويمتد فن الخط وصناعة التجليد