تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهي العبادة وكذلك أيضا العلاقة بين الإنسان والإنسان وهي المعاملة. والقرآن الكريم يقرر مجموعة من القواعد العامة يطبقها المسلمون في حياتهم دون تمييز بين صبغتها الدينية وصبغتها المدنية.

لكن الأساس كان هو الدين. ولذلك كانت حكومة الرسول (صلعم) حكومة دينية أي أن دستورها مستمد من العقيدة الدينية وخاضع لأوامرها ونواهيها ومما لا شك فيه أن هذا الأساس الديني هو الذي ألف بين القلوب وكلل الدعوة بالنجاح.

وبما أن العقيدة توحد بين المؤمنين وتجعل منهم إخوانا فمن الطبيعي أن تقوم هذه الحكومة على أساس إحلال الوحدة الدينية والقومية الإسلامية محل العصبية والشعور القبلي وان تؤدي العقيدة بالمسلم إلى الشعور بأنه عضو عامل داخل هذه الجامعة الإسلامية. وعلى هذا النحو فهم المسلمون الأولون معنى الإسلام وتشبعوا به وانقادوا له بألسنتهم وجوارحهم.

وهذا هو المعنى الحقيقي للإسلام انه الانقياد لله ولرسوله (صلعم) بالنطق باللسان والعمل بالجوارح فمن نطق بالشهادتين كان مسلما له ما للمسلمين وعليه ما عليهم.

فالشهادة إذن أول ركن من أركان الإسلام وثانيهما الصلاة وصلاة الظهر في كل جمعة هي الصلاة العمومية الوحيدة وقد كانت اكبر عامل في توحيد صفوف المسلمين من أبناء البادية ذوي النفوس الآبية المشبعة بروح الفردية. فغرست فيهم روح المساواة الاجتماعية والشعور الموحد إذ يقفون للصلاة صفا واحدا لا فرق بين كبيرهم وصغيرهم ويشتركون بالدعاء بلفظ واحد ونفس واحدة.

كما غرس فيهم الصيام نفس الروح والشعور وساوى بينهم في قهر الجد والصبر على الجوع وترويض النفس على الانقياد لله في صراط الخير والإحسان.

ولا شك أن الاجتماع في موسم الحج كان له الفضل الأكبر في تحقيق القضاء على فوارق الجنس واللون والقومية المحلية وتقوية الشعور بوحدة الإسلام وهيمنته على النفوس وإيثاقه إياها بوثاق واحد من الإيمان الذي يتخطى كل فارق مهما كان نوعه.

وهناك ركنا آخر تعتبره الخوارج ركنا سادسا وهو الجهاد الذي ينقسم حسب نظرهم أقساما ثلاثة: احدهما الدعة إلى الله عز وجل باللسان والثاني الجهاد بالرأي والتدبير والثالث الجهاد باليد في الضرب عند الحرب.

وإذا ما دققنا النظر في هذه الأركان وجدنا أنها ترمي كلها إلى هدف واحد إلا وهو تمتين أواصر الوحدة الإسلامية في شعور موحد يجمع صفوف المسلمين في رابطة وثيقة تشد بعضهم إلى بعض وتشدهم جميعا إلى سلطان الله عز وجل بميثاق يستسيغه العقل ولذا كانت التكاليف الإعتقادية والعملية مما يسع المؤمن تعقلها وبذلك يسعه الدخول تحت حكمها.

فالشريعة الإسلامية إذن شريعة أمية لان أهلها كذلك ومن مراعاة الأمية في الشريعة تعريف أوقات الصلوات بالأمور المشاهدة كتعريفهم بالظلام وطلوع الشمس وغروبها وكذلك في الصيام.

فلهذا المعنى وضعت التكاليف على وجه لا تخرج المكلف إلى تعطيل عادته التي يقوم بها صلاح دنياه.

ومن حكمة الشريعة الإسلامية وملاءمتها للطبيعة البشرية وتوفيقها بين ما فيه صلاح الدنيا والآخر أن تصرفات المكلف شرعا كلها عبادات سواء كانت من قبيل التعبد أو قبيل العادات لان المكلف إذا فهم مراد الشارع من أحوال الدنيا واخذ في العمل على مقتضى ما فهم فهو أبدا في إعانة الخلق على ما هم عليه في إقامة المصالح باليد واللسان والقلب فبالوعظ والتذكير بالله وحض المؤمنين على أن يكونوا فيما هم عليه مطيعين لا عاصين، وتعليم ما يحتاجون إليه في ذلك إصلاح المقاصد والأعمال، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبالدعاء بالإحسان لمحسنهم والتجاوز عن مسيئهم، وأما بالقلب فلا يضمر لهم شرا بل يتمنى لهم الخير ويعرفهم بأحسن الأوصاف.

والمتأمل في كتاب الله وسنة رسوله (صلعم) يجد ما تطمئن إليه النفس من الأدلة على إرادة الشارع في أن يكون التعاون بين المؤمنين من ميزات الإسلام وفضائله الأساسية، ومن هنا يجهل الحديث الشريف القائل "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا". واصل هذا الحديث من الكتاب فيما وصف الله به المؤمنين من أن بعضهم أولياء بعض وما أمروا به من اجتماع الكلمة والخوة وترك التفرقة والتواصي بالحق والتواصي بالصبر.

ومن مظاهر هذا التعاون أيضا إيثار المؤمن أخاه المؤمن على نفسه وهو اعرق في إسقاط الحظوظ وذلك أن يترك حظه لغيره تحملا للمشقة في عون الأخ وقد كان المسلمون الأولون على هذا النهج فيما بينهم والتاريخ يحفظ كثيرا من الأمثلة على إيثار كل منهم أخاه على نفسه حتى في اشد الساعات وأحرجها لا سيما في ميدان الجهاد الحربي.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٢٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٢٩٢