القيام بتلك الواجبات على أكمل وجه وأتمه وليتسنى له الانتفاع في حياته اليومية بالتراث الثقافي الذي خلقته العصور الفائتة وما تنتجه الشعوب الأخرى في مجهودها المستمر نحو الرقي فتنمو في النفس الرغبة في المعرفة والسعي وراء الحصول عليها بشتى الوسائل.
بيد أن اكتساب المعرفة ليس غاية بحد ذاته وليس المقصود منه شحن العقل بمعلومات نظرية تلهي المرء عن السير في ميدان الحياة الواقعية وإنما هو وسيلة للإفادة في الحياة فمن واجب الفرد إذن وقد أدرك واجبه وورد مناهل المعرفة أن يتخذ لنفسه موقعا ايجابيا يحمله على الابتكار والإنشاء دون أن ينتظر من المجتمع أن يقدم له كل شيء فغاية المعرفة هي السعي وراء ما هو أفضل وواجب كل فرد أن يستخدم ما اكتسبه من معرفة للوصول إلى هذه الغاية.
لكن الفرد لن يدرك هذه الغاية منعزلا: أن الحياة ضمن المجتمع تقتضي من كل فرد واحد أن يتشبع بالحياة الجماعية وان يدرك أن عمله الفردي لن يوصله إلى الغاية المنشودة إذ لم يقترن بمشاركة الآخرين فمن واجبه إذن أن يربي في نفسه حب العمل ضمن الجماعة والمساهمة في المجهود المشترك والحياة والعمل داخل إطار جماعي يؤلف بين القوى والجهود لتسير بانسجام نحو الهدف الواحد.
ولن يتم ذلك إلا إذا خضعت التربية داخل هذه الثقافة إلى مجموعة من القواعد الكفيلة بتحقيق الانسجام بين المجهود الفردي والمجهود الجماعي ومن هذه القواعد:
أ- احترام السنن التي تخضع لها الجماعة نفسها ليتأتى لها اكتساب سلطة يقبلها الأفراد عن طواعية لتيقنهم من أنها ضرورية لخير تلك الجماعة وصلاحها.
ب- استخدام الحماس الشعبي استخداما حرا ونزيها رائده المصلحة العامة.
ج- السهر على أن يتحلى قادة هذه الثقافة الشعبية بروح التسامح ورحابة الصدر ليكون الانقياد لما يدعون إليه من تعاليم انقيادا حر قائما على الاقتناع لا على الإكراه وذلك ليبقى لكل فرد الشعور بكرامته وحريته الفكرية وبأن له ضمن الجماعة مكانته كصاحب عقل مفكر لا كوحدة عددية فحسب.
فإذا ما توفرت هذه الخصائص وتشبعت بها الجماهير أمكن القول بوجود ثقافة شعبية صحيحة يرجى من ورائها خير عميم.
والآن وقد بينا الخصائص الأساسية التي تقوم عليها الثقافة الشعبية وجب البحث عن الخصائص الأساسية للسياسة الدينية التي دعى إليها الإسلام والوسائل التي استخدمها قادة الفكر المسلمين لنشر هذه الثقافة عن طريق التربية الدينية.
ظهر الإسلام كثورة على أوضاع الحياة التي كان يقوم عليها المجتمع الجاهلي، ثورة على الفساد والاستبداد والجمود وثورة على العادات والتقاليد التي كانت تحجب العقل بحجاب كثيف من الخرافات والأوهام وتجعل الناس طبقات متفاوتة تفصل بين الواحدة والأخرى هوة سحيقة من العصبية والحقد فألف الإسلام بين القلوب وأخرج جيلا جديدا يجمع بين أنبل الخصال التي تحلى بها المكيون والبدو. فمن المكيين ذلك الإدراك الواعي لواقع الحياة والنشاط المبدع وتلك الحنة التي امتاز بها في قيادة الجماهير مما جعلهم يوصفون بسادة العرب. ومن البدو عزة النفس والشهامة التي ستنسجم فيما بعد عند المسلمين في معنى المروءة ومن البدو أيضا الكرم الذي يتجلى خصوصا في إيثار الضيف، ونجدة الضعيف والمستغيث والخائف وحماية المستجير.
فالإسلام إذن في أول مظاهره إنما هو إصلاح منسجم مع حاجات العرب والأماني العميقة التي كانت تشق إليها نفوسهم دون أن تجد لإرضائها سبيلا.
ولكن هذا الإصلاح لم يقف عند حدود جزيرة العرب لان الإسلام لم يلبث أن اثبت قابليته للقضاء على جميع النزعات والتوفيق بين المتناقضات التي تزخر بها الطبيعة البشرية فأدرك الناس وهم يعتنقون العقيدة الجديدة أن مقاييس الوجود قد تبدلت في نفوسهم وأصبح من عمر قلبه بالإيمان ينظر نظرة جديدة إلى نفسه والى غاية وجوده في هذه الدنيا ومصيره في الآخرة وهي أمور لم تكن لتخطر له ببال في جاهليته المادية ولم تكن هذه النظرة الجديدة إلى الحياة وغايتها مجرد رأي اقتنعوا به لتتسلى به عقولهم بل جعلوه ناموسا لحياتهم الظاهرة والباطنة وسعوا لنشره بشتى الوسائل هادين معلمين فامتزج الواقع التاريخي الذي سجلته إعمالهم بالقيم الروحية التي نشرتها تعاليمهم وتولد من هذا الامتزاج البديع الواقع الإسلامي الذي ستنشأ عنه تلك الحضارة السامية التي تعرف بالحضارة الإسلامية.
وحين نصف هذه الحضارة السالمية نقيم الدليل على أن الإسلام ليس مجرد عقيدة دينية فحسب بل نظاما شاملا للحياة البشرية وتصورا واحدا لا تجزئة فيه ولا انفصال بين الميدان الروحي والميدان الدنيوي. فهو يحكم شؤون حياة المسلم من المهد إلى اللحد فينظم العلاقة بين الإنسان وربه