وإليه كما اعتقد ترجع هذه الصبغة التي نراها صاحبت الشعر العربي في مختلف أطواره بل لا أغالي إذا نسبت إليه طريقة الأداء في لغة الضاد نفسها من حيث نسق الجمل والإعراب، ولعل هذه السماجة التي نحس بها عند ترجمة إنتاج غربي ترجمة حرفية تعود إليه أولا وأخيرا.
وعلى أي فقد سجل التاريخ الأدبي لهذه الطائفة أنها مل تتخلف عن النزول إلى الميدان في نطاق إمكانياتها مهما كانت محدودة، ومهما كانت قاصرة عن الإبداع، على أن الذي لا ينبغي أن نشك فيه، هو أننا لو ظفرنا بالإنتاج الكامل لهذه الطبقة لما عدمنا نماذج أكثر تدليلا على ما ذهبنا إليه.
وقد علمت منذ سنين أن الشاعر الرقيق المرحوم احمد لحلو كان يعني بإعداد ديوان المرحوم احمد غريط للطبع، وأتساءل الآن عمن آل اليه هذا الديوان بعد وفاة الشاعر الشاب، كما أتساءل عن ديوان هذا الشاعر نفسه، أما كان جديرا أن يخرج إلى النور لا سيما ومن بين أصدقائه من يملك دارا للنشر!! كما اسأل أبناء الشيخ المرحوم عبد الله الفاسي عن ديوان أبيهم، ومن بينهم الأستاذ العابد الفاسي الذي سررنا لنزوله أخيرا الى الحلبة، بعد أن كنا ناسف لصمت هذا البحاثة القدير. كما اسأل كل من كانت له صلة بشعراء هذه الطبقة ممن ذكرت و أذكر عن إنتاجهم ودواوينهم جميعا. وهل لي أن أكرر الدعوة لاختيار لجنة تشرف على إخراج هذه الدواوين وأمثالها إلى النور؟! وهل لي أيضا أن القي بسؤال طالما لاحقني ولم اظفر له بجواب ما مهمة القسم الثقافي بوزارة التهذيب الوطني إذا لم يكن من أؤكد مهامه السهر على طبع الإنتاج المغربي قديمه وحديثه بعد التنقيب عنه؟!
ولم يكد الربع الأول من هذا القرن يشرف على نهايته حتى ظهر في الميدان شباب يفيض ثورة وحماسة وغيرة على الوطن والدين، شباب لقن دروسه الوطنية عن مفكرين ومصلحين مغاربة كان من بينهم من زار الشرق وأتصل بأبطال الحركة السلفية، والوطنية العربية هناك ثم عاد إلى بلاده حاملا تلك الرسالة المقدسة أمثال الشيخ أبي شعيب الدكالي رحمه الله، وشيخ الإسلام محمد بن العربي العلوي، يضاف إلى هذا ما ابتدته هذه الطائفة من الشباب من دأب على دراسة الإنتاج الشرقي نثره وشعره، مما ساعد على تفتح قرائحها عن شعر نضالي واع يمتاز عن سابقه بعمق إدراك المأساة، وسرعة الاستجابة للأحداث، واتساع أفقه الذي شمل جانبا لم تكن تخفى خطورته آنذاك، ولم نعلم أن هناك أحدا من الطائفة الأولى تجرأ على اقتحامه أو الإشارة إليه، هذا الجانب هو الدعوة إلى تعليم الفتاة المغربية وتحريرها من قيود الجهل والخمول، وسيكون بوسعنا أن نرى أن هذه الطائفة لم تعن فقط بأسباب المأساة بل بالمأساة ذاتها، كما سنرى قصائد صيغت للتغني بالوطن، والدعوة إلى التفاني في خدمته، وكان من حسن حظ هذه الطائفة وعلى رأسها الأستاذ علال الفاسي وفريق قليل من الطبقة الأولى أن وجد شعراؤها مجالات لنشر إنتاجهم الشعري في صحافة وطنية مغربية كتب لها أن تخرج إلى الوجود في بداية العقد الثالث من القرن الحالي بعد كفاح مرير، كمجلة السلام التي كان يصدرها بتطوان الأستاذ محمد داود، ولعلها أول مجلة عربية صدرت بالمغرب، وكجريدة الأطلس وجريدة الحياة لأستاذ محمد الطنجي، والمغرب للمرحوم الأديب سعيد حجي الذي اصدر فيما بعد مجلة الثقافة المغربية. وأنت إذا تصفحت أحد أعداد مجلة السلام الثمانية فإنك لا تجده يخلو من قصائد وطنية من النسق العالي ومن الأدب الملتزم قبل أن تحفل صحف الشرق بالحديث عن الالتزام، على انك لا تعدم من بينها قصائد وجدانية رقيقة سوف نكتشف معا أن من بينها نموذجا جديدا بالنسبة للشعر المغربي، جديدا ليس في معانيه وروحه، فحسب بل حتى في شكله وبنائه، وقبل أن نقف على هذا النموذج نخف للتدليل على ما قلنا من أن هذه الطائفة تمتاز بتناول المأساة ذاتها فنسوق أبياتا من قصيدة الشاعر علال الفاسي «نموت ويحيا الوطن» (4):
لذة الموت حياة الوطن هو بغياي التي أطلبها أنا لم اخلق لنفسي إنما وفداه من صروف الزمن وهو لي كل فخار ابتنى أنا مخلوق لأجل الوطن
وفي نفس القصيدة يقول:
إن يكن غيري يهوى أحدا أنا أهواه وأهوى قومه أنا ما عشت عليه واقف فهواه العذب قد تيمنى وأرى ذلك أحلى المنن قوة الروح وشغل البدن
- (4) مجلة السلام العدد 2 (1933).