تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سكر الشباب وحب اللهو مفسدة دع التنطع وارع الدين وازعه دع التعصب فالأشياء ظاهرة إن قلت جئت بما لم يأته سلف بالعلم قاومه الحداق فانكسرا يميز التبر من ترب لمن نظرا والقوم قد صنفوا ودونوا العبرا قلنا الأباطيل أو تحريف ما صدرا

وهذا محمد السليماني في قصيدة «حماة الدين» (3) وهي قصيدة نلمس فيها حرارة الصدق وحدة الإيمان كما نلمس فيها تماسكا وقوة من حيث البناء، هو تماسك نكاد نفقده في أكثر ما لدينا من إنتاج هذه الطبقة.

دعيني من مراشفة الرضاب وعاطيني صريح النصح صرفا وخلي عنك أيام التصابي فلا مدح يصيخ إليه سمعي وعدي عن ثناياك العذاب فعز الدين آذن بانسحاب فتلك خديعة الغض الشباب ولا غزل لدي بمسطاب

إلى أن يقول:

أليست أمتي فقدت حجاها وهذا صبحها يحيك مساء حماة الدين هبوا من سبات تركنا الدين خلفا لا نبالي يقول الشامتون هم أضاعوا كتاب جاءنا للحق يدعو أما ترك الرسول لنا وصايا فطال العهد واخترنا سواها فوا أسفا على حال حدتنا وهذا يا حماة الدين منكم بني العلم الرعاة إلا أفيقوا وهذا عزها وشك الذهاب| غزالتها توارت بالحجاب تمركزنا يؤول إلى الخراب ولم نترك لنا غير انتساب كتابهم حسن الكتاب وينذرنا مفاجأة العذاب تقود المسلمين إلى الصواب ويا لحيائنا يوم الحساب إلى أن أوقعتنا في الخراب فيكف جوابكم يوم المآب فإن الشاة في وسط الذئاب!!

وإذا نظرنا إلى هذا الإنتاج من حيث الشكل فإننا نستطيع أن نسجل أن حدة المحسنات اللفظية بدأت تخف، وان الطابع الأندلسي بدأ يختفي عندهم ليطغى عليه طابع المدرسة التقليدية في مصر والعراق.

وإذا كان هناك من ينتظر مني أن اشجب هذه الطائفة لاعتمادها على الطريقة الخطابية والأسلوب التقريري أو عدم الاعتماد على أسلوب الظلال والألوان على حد تعبير الأستاذ «سيد قطب» فإني لن أحقق له هذا القصد لسبب بسيط هو أني لا استسيغ أبدا أن أفرض على إنتاج عربي في مثل هذه الفترة قواعد النقد الغربي، هذه القواعد التي نشأت عن تعدد المذاهب الأدبية التي نشأت بدورها عن أحداث اجتماعية وسياسية وحضارية في نفس الوقت، شأنها في ذلك شأن المذاهب الفلسفية التي خضعت هي الأخرى أو كانت بالأحرى نتيجة لنفس الاعتبارات. على أننا يجب ألا نتناسى المخطط النفسي لهذه الأمم التي نشأت فيها هذه المذاهب التي تمخضت عنها تلك القواعد، وهو يناقض المخطط النفسي للأمة العربية جمعاء ومن ثم كان انتاج شعرائها يخضع لمخططها العام في بيئتها، في أسلوب معيشتها في نوع حكمها، في عقائدها، في لغتها في لونها الحضاري الخاص.

ثم إن الأوربي يخضع في إنتاجه لمخطط أمته بصفة تلقائية من جهة، وبصفة إعدادية من جهة أخرى، فهلا يكون الشاعر المغربي مظلوما إذا نحن أصررنا على أن ننظر إلى إنتاجه على ضوء تلك القواعد رغم أن تلقائيته تتجه بالبداهة إلى مخطط أمته الكبرى، رغم أنه لم يطلع على المذاهب الأدبية وقواعد النقد الغربية أو أنه يهضمها ولم يستطع التشبع أو التأثر بها بعد لكي يستطيع أن يطعم شعر بلاده بعناصر جديدة عليه.

وإذا كانت عملية الهضم والتذوق والتأثر هذه كانت في مهدها بالشرق فمن الشطط أن نحاول إخضاع هذه الطائفة لتلك القواعد التي لن أجافي الحقيقة إذا قلت أنها لم تسمع بها إلى ذلك العهد. والذي تقضي به البداهة أن تخضع الطائفة المذكورة- بصفة تلقائية- إلى المخطط العام للأمة العربية

3) الادب العربي بالمغرب الاقصى ص 43 ج 1.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٢٦٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٢٦٨