تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق ع7س2 أبريل 1959 .................... ص71

مخطوط ابن الآبار: السمط في خبر السبط

بقلم: الحسن السايح

يعتبر ابن الآبار من الكتاب الأندلسيين ذوي الأسلوب الرائع المحكم، سيما حين يطلق عنان شجيته فتنساب فياضة في تعابير رقيقة ومفردات منتقاة وقالب جميل الصوغ، وليس الموضوع في هذا الحديث إلا التعريف بمخطوط صغير من كتب هذا العالم الأندلسي التي كتب لها أن تنجو من الحريق الذي شب في كل كتبه بعد إعدامه حرقا في تونس، وهذا المؤلف ليس مجهولا عند المؤرخين بل إن كثيرا منهم ذكروه واقتطفوا منه وإنما عثرت عليه كاملا فأردت أن أقدمه للقارئ الكريم مؤملا ان يقدر له الطبع فيتملى الأدباء بأسلوبه الرائع وتعابيره الرقيقة.

وقد سمى ابن الآبار كتابه (بالسمط في خبر السبط) وقبل أن أقدم الكتاب نقدم ترجمة لمؤلفه إذ ربما نلقي بهذه الترجمة ضوءا على الأسباب التي حدث بالمؤلف إلى أن يكتب كتابه هذا، لنصل على تثمين هذا الكتاب ذي الأسلوب الشعري والتعبير الإنشائي البليغ:

أبو عبد الله محمد بن عبد الله ابن الآبار القضاعي ولد في بلنسية سنة (595) خمسمائة وخمسة وتسعين وتوفي في تونس سنة 658 ستمائة وثمانية وخمسين الموافقة لسنة 1259 ميلادية وأخذ العلم بمسقط رأسه بلنسية وهي مشهورة بالعلماء والأدباء والكتاب والشعراء، لذلك كانت بلنسية عظيمة الأثر في تكوين عقليته وتكييف ذكائه، ولذلك أيضا أصبح أمام في العربية وعلومها، كما قال مترجموه القدماء، وأصبح مالكا لناصية البيان عظيم الإطلاع على أسرار البلاغة، بارعا في الحديث وأسانيده واسع الثقافة.

حتى قال الغبريني عنه في كتابه القيم (عنوان الدراية) أنه لا يكاد كتاب من الكتب الموضوعة في الإسلام إلا وله فيه رواية أما بعموم أو بخصوص، وكان هذا الإطلاع عظيم الأثر في فكره العلمي حيث يعتبره المترجمون مؤرخا وأدبيا وكاتبا وشاعرا ومحدثا وفقيها ومؤلفا أيضا وقد كانت نهاية هذا الأديب بتونس حيث مات بها قتيلا سنة 658 ثمانية و خمسين و ستمائة و ما اشبه مصيره بابن الخطيب في فاس فقد تشابهت نهايتها فسجنا ثم قتلا وأحرقا وكانت مأساة ابن الأبار أعظم من مأساة مواطنه ابن الخطيب حيث أحرق ابن الآبار مع كتبه وأوراقه ودواوينه الشعرية فلم يمت وحده بل ماتت بجابنه آثاره الفدة ...

وبلغ إلينا من تأليفه كتابه المشهور تكملة الصلة أي (صلة ابن بشكوال) الذي وضعه لأبي الربيع ابن سالم الكلاعي، وقد دامت صحبتهما بضعا وعشرين سنة، وألف معجم أصحاب ابن العربي المعافري ومعجم أصحاب الصدمي ومعجما لروايته الحديثيه، كما ألف في الحديث أربعين حديثا متنوعة سماها بالأربعينات وألف اللجين في مرائي الحسين الذي قال عنه الغبريني في عنوان الدراية (ولولم يكن له إلا كتاب اللجين في مرائي الحسين لكفاه في ارتفاع درجته وعلو منصبه وسمو رتبته (ألف في تاريخ الأندلس، الحلة السيارة تبتدئ بموسى بن نصير، وألف في الشيعية كتاب (السمط بأخبار السبط) وهو من أنفس كتبه ويروى عنه صاحب النصح كثيرا ... وقد أكبر جل المترجمين ابن الأبار فوصفه ابن خلدون في تاريخه بحافظ عصره العلامة في الحديث ولسان العرب البليغ في الترسيل والشعر أما عن سبب دخوله إلى تونس فذلك أن الأسبان لما تغلبوا على بلنسية انتقل بأهله إلى تونس ونزل على سلطانها أبي زكرياء يحيى بن عبد الواحد ابن أبي حفص وقد قدره الأمير التونسي فقلده وظيفة كتب العلامة في صدور مكاتبته ثم عزله وولى مكانه أبا العباس الغساني لكونه يحسن كتابتها بالخط الشرقي فكان هذا سبب سخط ابن الآبار ومن هنا وعلاقته تسوء مع الأمير الحفصي إلى أن طرده نهائيا من قصره ولكن ابن الآبار استشفع بابنه المستنصر فسامحه وعاد إلى وظيفته، ولما مات أبو زكرياء خلفه المستنصر فرفع من شأن ابن الآبار وجعله يحضر مجلسه ولكن علاقته ساءت من جديد مع المستنصر، ولعل ابن الآبار كان يصيب المستنصر بسهام نقده وتهكمه سيما وقد أتهم بقصيده فيه مطلعها:

طغى بتونس خلق *** سموه ظنا خليفة

وكان هذا بداية محنته بل بداية مصيره المفزع الذي انتهى بقتله ومن محاسن الصدف أن عثرت على كتابه القيم «السمط بأخبار السبط» وهو مخطوط عزيز الوجود، يشرح مذهبه العقيدي وإيمانه الشيعي

وسأقتطف منه للقارئ بعض الفصول الممتعة مؤملا أن يطبع عما قريب.

يقول في السبط:

أي بني الطلقا- ما أقعدكم عن الأبقا، وأقامكم إلى العنقا، كبرت أن تصاد، فعليكم الاقتصاد ولا تقيموا الأرصاد، إياكم والشماتة فلن تدركوا ذلك الأحياء ولا تلك الإماتة.

فيم الشماتة إعلانا بأسد وغى

أفنانهم الصبر إذ أبقاكم الجزع

لا غرو أن قتلوا صبرا ولا عجب

فالقتل للصبر في حكم الفنا تبع

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٢٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٢٦٤