وليس في الكون شيء ولد عبثا حتى الأشياء التافهة في نظر نعيمة أزلية، لا لون لها ولا آخر. لأنها منحدرة من الله. والله أزلي خالد. «فالوجود بكل ما فيه من محسوس، وغير محسوس هو جسد الله الحي. وانتم منه. وأنا «البيارد» ص 49.
ويمكننا من هنا أن نستخلص إلا فرق عند نعيمة بين الإنسان، والجمادات والنباتات، الا من حيث الإدراك والوعي والحساسية. أما الغاية التي وجدوا جميعا من أجلها فواحدة. فلا موت ولا حياة، ولا حساب ولا عقاب، لهذا الإنسان. لأن الكون عند صاحبنا فوارة الهية أزلية خالدة بخلود اله. والله هو المحبة. لذلك كان الإنسان الصادر عن الله صورة لمصدره، فكان أوليا بأزليته، أبديا بابديته «البيادر» ص 62.
وليس من قصدي أن اتوسع في هذه الدراسة الخاطفة عن نعيمه وفلسفته في الحياة وما في الحياة من آلام، وأفراح، وأشواق، وأحلام، وشكوك، وغيرها. وحسبي إني فتحت كوة تجاه القارئ البعيد عن نعيمه. وحسب هذا القارئ أن يطل منها على هذا الفيلسوف المثالي الذي جاء مبشرا برسالة الخير والمحبة، والجمال، على أبناء العالم العربي، في ذلك الشرق، مهبط الوحي، ومنبع الروح. وليطلع أيضا على بعض اتجاهاته الفلسفية. وحسبه كذلك أن يرجع إلى هذا الديوان الذي ستطلع عليه صفحاته مشرقة فواحة بنور وعبير هذا الشاعر المفكر.
ويظهر لي أن نعيمة تأثر بمواعظ الإنجيل من جهة. وبروح الاشتراكية لا قشورها من جهة أخرى. وان هو لم يتأثر بالإنجيل كثيرا، فقد أثرت فيه قوالبه اللفظية دون شك ولا ريب. كقوله مثلا: «جردوا قلوبكم من مدافع الطمع، وحراب البغض، وقنابل الحسد» «لا تبغضوا أحدا من الناس ... ابغضوا كل ما في الناس من ضعف واثم» «لا تكرهوا الظالم، اكرهوا الظلم» «لا تهربوا من الجاهل اهربوا من الجهل» «إن شئتم أن يكون علمكم الخارجي طاهرا ... اغسلوا أيديكم بماء الغفران، وعطروها بشذى المحبة» «زاد المعاد».
ولا أجرؤ أن أقول رأيي في كتابه «مرداد» لأني لم أطلع عليه بعد. رغم أن مؤلفه بعث به إلي. الا أنه ضاع في البريد مع الأسف. هذا الكتاب الذي ألفه أولا بالانجليزية. وصدر في نيويورك عن دار المكتبة الفلسفية ثم نقله بعد ذلك إلى العربية. وفي مطلع هذه السنة صدرت بالهند- بومباي طبعة خاصة منه بالانجليزية. وكان له نجاح كبير بين الكتاب والمفكرين الهنود. فمنهم من أطلق عليه كتاب الساعة، ومنهم من أطلق عليه كتاب الجيل. واذكر أني قرأت في إحدى الصحف العربية الصادرة بالبرازيل مقالا مضمنه: ان أفكار «مرداد» قد أخذت تشق طريقها في نفوس الناس، حتى أن بعضهم قد تمسك بآرائه وأصبح يطبق حياته على حسب أفكاره ومعتقداته، ذاكرة أن هذا الكتاب أحسن كتب نعيمه «ناسك الشخروب». وهذا اللقب أطلقه عليه أدباء العرب لتوهمهم بتنسك صاحبه في شخروبة. و الشخروب هو عبارة عن مزرعة ورثها هو و اشقاؤه. وتقع في شرقي بسكنتا، وترتفع عن سطح البحر بنحو 6000قدم. ويوجد في هذه المزرعة كهف رهيب يركن إليه نعيمه وقت تنزلاته. وفيه كتب بعض مؤلفاته منها كتابه عن «جيران».
وقد اشتهرت هذه القرية- التي تبعد عن بيروت بنحو 45 كلم- بجمال طبيعتها، وغزارة مياهها. أما سكانها فقد عرفوا من قديم بحصافة رأيهم، وسداد فكرهم، وطول نفسهم في المنافسة والمناظرة والحكاية.
ولبسكنتا اليوم مكانة عظيمة في نفوس أدباء العرب الذين يقصدونها لزيارة فيلسوفهم من معجبين ومستفسرين وسائلين.
ونعيمة وجد سعادته وراحته في هذه القرية التي عاد إليها من أمريكا سنة 1932. وبهذه المناسبة أقيمت على شرفه ببيروت حفلة تكريم كبرى. ومنذ ذلك الحين وهو قابع فيها بين المطالعة والتأليف وتحضير المحاضرات لمنابر والمذاييع. ولم يعرف عليه يوما ما أنه سخر قلمه لهرج السياسة، أو عفر أدبه لمدح أحد كان من كان، أو خاض في جدال أدبي عقيم. ومن شانه الصراحة في القول، والصرامة في العدل. وللأدب عنده حرمته وقدسيته. وهو القائل في إحدى محاضراته: بعبادة الأدب. لم يتأثر بأي كاتب من الكتاب رغم إعجابه الشديد بالأدب الروسي، وبالخصوص دوستويفسكي. لأسلوبه شخصية قوية، وطابع إنساني. ويمتاز بغناه اللفظي وموسيقته، واستعاراته المبتكرة، وحرارة كلمته. وما زال لحد الآن في نشاطه الأدبي، ينتج باستمرار.
هذا هو ميخائيل نعيمه، رائد الأدب العربي المعاصر وهاديه. وهو الآن يتمتع بشهرة عريضة قي أمريكا وانجلترا وفرنسا والهند، بعد ما نقلت كتبه إلى لغات هذه الأقطار.
ولا أريد أن أقول شيئا في هذه الترجمة بعدما خبرت أصلها. ولا ترك الحكم للقارئ الاسباني نفسه، فهو حري بها. على أني أريد أن اشكر المستشرقة الدكتورة لينور مرتينث مرتين نيابة عن أدباء العرب، على قيامها بترجمة آثارها العربية إلى لغتها، وعلى ما ستقوم به من ترجمات مقدرا كل التقدير جرأتها وإقدامها على ترجمة هذا الديوان، رغم الصعاب التي توجد في ترجمة الشعر من لغة إلى لغة، خصوصا إذا كان بين اللغتين تنافر كما هو موجود بين العربية والاسبانية.
*
وهكذا انفجرت همسات هذا الديوان، بعد ما ضاقت في جفونها. فسعت إلى آفاق جديدة بأكسية اسبانية، كما تنفجر الدوحة بعد ما تضيق في بذرتها، منشدة ملاعب النور والنسيم والطيب.