ذوي الوراثات الأدبية، وحمل حملة عاصفية على الشعراء الذين لبس لهم من فن الشعر إلا القوافي والأوزان، ورصف الألفاظ، وترفيع الأفكار، واجترار المعاني، فنكل بهم أشد التنكيل، دون رحمة أو شفقة. وجمع هذه المقالات في كتاب اسماه «الغربال» وصدر في مصر سنة 1923. وكان لصدوره ثورة ضد أقلامنا الرجعية. حيث اضطلع بموازين، وآراء جديدة في مفهوم رسالة الأدب الحي. وكررت طبعاته. وما زال لحد الآن، منارة يهتدي بنورها طلاب الفكر الجديد، والحرف الوضئ. وقبل أن يصدر هذا الكتاب، صدرت له مسرحية «الآباء والأبناء» التي كتبها سنة 1917 على أثر تخرجه من جامعة واشنطن، وهي مكتوبة باللغة العربية، واللهجة اللبنانية العامة. الا إنها عندي لم تلق النجاح الذي تستحقه، لان قسمها مكتوب باللهجة العامية اللبنانية الصميمة التي تجهلها البلدان العربية، ما عدا لبنان بالطبع. وحبذا لو عاد إليها مؤلفها من جديد، وكتب قسمها العامي بالفصيح. لأن فيها من جميل الحوار، وقوة المشاهد وغناها الشيء الكثير، زيادة على معالجتها لموضوع حيوي له قيمته ووزنه في المجتمع العربي، و الغيرالعربي.
وإلى جانب الشعر والنقد والمسرح، عالج نعيمة القصة والسيرة. وقد صدرت له مجموعته القص
للأذواق الأدبية. وهذه الكتب جميعها مع كتابيه «المراحل» و «همس الجفون» صدرت له وهو في مهجره الأمريكي.
و «جبران خليل جبران» هو كتاب أرخ فيه لرفيقه. ويعتبر تحفة فنية، ومن أحسن الكتب التي ألفت في الأدب العربي. تلاقت فيه الفلسفة، والفن، والموعظة، والحكمة، والشعر، والتوجيه، والنقد بأسلوب محكم مشرق، وأكسية أنيقة جديدة.
وقد عرف في هذا الكتاب كيف يعطي للأدب حقه، ولعاطفة الصداقة «بعض» حقها الا انه قد بالغ في نقد «جبران» من حيث أنه إنسان، لا من حيث انه أديب. فأظهر بعض هفواته الشخصية ومبادله التي لا تمت إلى الأدب والفن في شيء. وقد نقل هذا الكتاب مع أخيه «مذركات الارقش» إلى الانجليزية ونشرتهما المكتبة الفلسفية بنيويورك. فاستقبلتهما الصحافة الأمريكية والانجليزية استقبالا ممتازا. أما بالعربية فقد صدر الأول سنة 1934 والثاني سنة 1948.
وميخائيل نظم الشعر بالانجليزية والروسية. هذه اللغة التي بدأ يتعلمها منذ حداثته في مدرسته الابتدائية التي أنشأتها الجمعية الروسية الإمبراطورية في قريته بسكنتا التي شهدت ولادته سنة 1889. وبعد أن أتم دراسته فيها سنة 1902 انتقل من دار المعلمين الروسية إلى مدرسة «الناصرة» بفلسطين، وفيها تضلع في العربية والروسية. ومكافأة على جده وحزمه، أوفدته الجمعية الروسية سنة 1906 إلى معهد السينمار بمدينة بولتافا من أعمال أوكرانيا. وأقام في المعهد مدة خمس سنوات، درس فيها الأدب الروسي والآداب العالمية.
وقد ترجم بعد ذلك كل أشعاره المكتوبة بالانجليزية والروسية، وضمها إلى أشعاره العربية، وصدرت في ديوان «همس الجفون». ولم يعد إلى كتابة الشعر إلى يومنا هذا، أي منذ عشرين سنة، كما جاء في رسالة بعث بها في السنة الماضية.
ونعيمة اتخذ مذهبا فلسفيا سلكه بإيمان وإخلاص، ودعا الناس إلى سلوكه. وإذا تصفحنا كتبه «البيادر» 1945 «زاد المعاد» 1936 «صوت العالم» 1948 «الأوثان» 1946 وسواها من كتبه، نجدها تبشر بهذا المذهب داعية إلى وجود إنسان واحد، تحت علم واحد، في بقعة واحدة، تحت قانون واحد هو: المحبة، التي لا تدين بأي دين، ولا تتعصب لأي جنس، أو أمة، أو إقليم، ولا تتلون بأي لون من الألوان، أو ترتدي بشرة من البشر. فعواطفها تطوي الأبعاد، وتهزأ بالحدود، وتسخر بالخصومات والنعرات والأحقاد والاختلافات والعصبيات. وهو القائل في «البيادر» ص 44 «أحر به ان يمحو التخوم والحدود التي يقيمها بينه وبين أخيه الإنسان إذ لا تخوم في الله ولا حدود. أحر به أن يجعل من قلبه مائدة لكل ما في الكون، مثلما كل ما في الكون مائدة لقلبه. أحر به أن يعانق بفكره كل المخلوقات مثلما تعانق كل المخلوقات فكره. أحر به أن يغسل بدمه وزر جاره، من أن يلبس من جاره وزرا فوق أوزاره».
ومن هنا يطل علينا مذهبه الفلسفي «الحلولية»، هذا المذهب الذي يستهوي عادة الشعراء المثاليين المساويين، الحالمين أبدا بالجمال، المبشرين دائما بالمحبة والخير في صعيد الحق والنور. وليبس ميخائيل وحده من إتباع هذا المذهب. فبين شعراء العرب اليوم، كثير ممن تمذهبوا بهذا المذهب الذي يقول: «بالوحدة الجوهرية بين الله والعالم. فالله هو كل شيء. وما كونه الفسيح الا مظاهر متعددة لإلوهيته».
وتغلغل فيلسوف العرب ميخائيل بفكرة النشيط العميق في الكون، وما فيه من نبات، وجماد، وحيوان وما يحويه من ملموس وغير ملموس من منظور وغير منظور. فرأى الكون قوة هائلة تنفصل عن بعضها، لتمتزج بغيرها لتأدية الغاية التي انبثقت من اجلها: «تتصل الخليقة كلها بعضها فانتم في ارتباط سرمدي مع كل ما في الكون «البيادر» ص 50.