وتجاوبت أصداؤه في أرجائه بدون استثناء، فكان هناك عقلا واحدا، وكأن هناك روحا واحدا.
وإذا لم يبلغ هذا التجاوب في حدوثه المدى البعيد، تجد الجانب المقابل يسعى من نفسه تلقائيا طالبا لتحقيق هذا التجاوب.
والتاريخ مفعم بشدة هذا التجاوب والتعلق به من الجانبين ملتمسا في سبيله كل الذرائع، ومستسهلا من أجله كل المصاعب.
ومن أمثلته أن الأندلس في القرن الخامس أشرفت على السقوط جمعاء، ووراء ذلك السقوط سريان مثله إلى المغرب.
ولكن قبل أن تهوى الأندلس، وتستحوذ عليها أيد أخرى، طما سيل من المغرب الأقصى وقف في وجه سيل آخر، ورده على أعقابه في وقعة الزلاقة سنة 479، التي كانت موقعة فاصلة في التقاء بين أمتين في عراك مستمر منذ عصور وعصور، وفي حرب سجال بينهما منذ أحقاب وأحقاب.
وكان السبب في سيح هذا السيل الذي أنقذ الأندلس، تحريكة من القيروان من رجل أصله من فاس من بيت معروف ببيت بني الحاج، وهو أبو عمران موسى بن عيسى الفاسي القيرواني، الذي طوف في الآفاق، وجمع في رحلاته بين المشرق والمغرب، واختار بعد ذلك القيروان دارا لأنها لم تبعد عن دراه الأصلية وهي فاس، واختارها على بلدان كثيرة تلقى فيها العلم وهي قرطبة وبغداد، وهما هما، والقاهرة وهي هي، وإنما آثر القيروان لأنها أخت فاس في جوها وأهلها، علاوة على أنها قد توسطت بين المشرق والمغرب.
اختار القيروان وبث فيها علومه الواسعة التي طوت المسافات الشاسعة، وقادت اليه من الصحراء يحيى بن إبراهيم اللمتوني الذي أعجب بعلمه، وسحر ببيانه، وتأثر بأفكاره، فسأله أن يكون هذا التجاوب الذي حصل بينهما متجاوزا لهذه المنطقة إلى ما هو أوسع فاستجاب للرغبة، وكتب إلى احد تلاميذه وهو عبد الله بن ياسين الجزولي.
فبادر هذا التلميذ البار إلى استجابة طلبة شيخه مبلغا أصداءه التي تجاوبت مع نفسه حين كان يتلقى عليه علومه بالقيروان، وحاملا لها إلى الصحراء فأنتجت تلك الأصداء ذلك السيل الذي وقف في وجه ذلك الزحف الاسباني الذي يقوده الفونسو السادس، فطما عليه سيلا مرابطيا، وهذا الطمو لولا التشبث بالملك الهزيل الأجوف، لعم وطم، وإنما الأثرة والحسد قد كان لهما التأثير السيء في إيقاف هذه الجحافل عم غرضها في الامتداد، ونشر دعوة الحق.
سيل طما لو لم يلده ذائد
* *
ويقابل هذا التجاوب الذي أنقذ الأندلس من محق محقق، والذي مصدره القيروان، تجاوب آخر أجلى مما تقدم، وكان هذا التجاوب على يد عبد المومن بن علي، الذي شكله في تأثيرات متعددة من سياسية وعقلية تمتينا لتك الصلة الروحية.
ان الإصلاح الذي صدع به عبد المومن متلقيا له من أستاذه محمد بن تومرت، سرعان ما انتقل إلى افريقية، باستدعاء من الحسن بن علي الصنهاجي، الذي كان في مراكش أواسط القرن السادس ليقوم بقسط في هذا التجاوب، فاغري عبد المومن على غزو المهدية، وانقادها من يد المتغلبين عليها، ولم يتوان في إنقاذ المهدية، وسار إليها إلى أن أعاد إليها الإسلام يوم عاشوراء من سنة 555.
وبعد هذا الإنقاذ أصبح التجاوب بين افريقية والمغرب اشد ما يكون، فانتشرت الدعوة الموحدية في افريقية ودامت إلى استلام الأتراك تونس من يد الأسبان سنة 981.
ورغم انقراض دعوة الموحدين من مراكش بقيت في افريقية على يد الحفصيين، فالتجاوب الموحدي في تونس بقي بها أكثر من أربعة قرون.
ولهذا نرى كثيرا من الآثار الموحدية باقيا إلى اليوم، في اللغة الشائعة، وفي بعض التراتيب الحكومية رغم أن تونس مكثت مدة ليست بالقصيرة في الحكم التركي.
وسبب هذا هو أن عبد المومن حين دخل افريقية لم يدخلها دخول الفاتحين، وانما دخلها دخول المنقذين وهو ما أطلق السنة بعض شعرائها أن يقول: