دعوة الحق ع7س2 أبريل 1959 .................... ص44
التجاوب المغربي التونسي وآثاره في التاريخ
الأستاذ: محمد الشادلي
عضو المجلس التأسيسي التونسي واحدعلماء جامعة الزيتونية
تجمع تونس والمغرب روابط منذ العصور القديمة، وهذه الروابط تنمو في أزمان، وتذوي في زمن ما، ولكن وراء هذه الروابط صلة لا تعرف الذبول، ولا ينتابها الضوى.
وهذه الصلة هي الصلة الروحية التي تربط بين المتساكنين في المغرب وتونس، وهي صلة لا تقتصر على فئة واحدة، لأن التأثير الروحي ذو فاعلية محدودة في آفاقها، ولا في مداها.
وبسبب التأثير الروحي تعددت أنواع التشابه فيما بينهما، حتى كان الامتزاج بين الداخلين إلى تونس من المغرب أو العكس، وبين من يساكنونهم، امتزاجا لا يستدعي هضم شخصية، ولا إماتة شعور خاص.
وإنما قصاراه عملية بسيطة، وهي مجرد الاجتماع والتساكن، وإذا ما تمت هذه العملية البسيطة لم يكن هناك شعور ولا إحساسا بالتغير.
ويعزو الكثير سرعة هذا التجاوب على وحدة الجنس وإلى وحدة اللغة أو غيرهما، ولاشك في نفوذ تلك الوحدات إلى الأعماق في التأثير، والتغلغل في التكييف.
ومعهما سلك ممتد يربط بين هؤلاء وهؤلاء، فكل تأثير يجري في أية ناحية من المغرب، أو تونس أو الجزائر، يجري مثله فيما يجاوره، ويكون له صدى وانطباع فيه.
فحركة الفتح الإسلامي النبراس الذي أضاء الأراضي الإفريقية لم تلبث الا يسيرا حتى سرا إشعاعها في أقصى نقطة في المغرب الأقصى بسرعة تفوق سرعة الصوت.
وجاءت بعد حركة الفتح الحركة الفاطمية، وهي ليس كما يظن حركة مبعثها منحصر محدود في أجواء سياسية، بل هي أوسع مما يظن، وكانت في سرعة انتشارها في المغرب الكبير بالغة الحد الأقصى.
وهو ما نراه في الكثير من أمورنا في المغرب أو تونس ونلمسه فيما قل وكثر، مما لا يدع في نفوسنا أدنى ريبة من ان التأثير الفاطمي تجاوز بكثير المناطق المظنونة.
فالأحداث التي تقع بالجانب الشرقي من المغرب سريعة الانتشار في سيرها وعمومها المغرب كله، إذ تنتقل من افريقية إلى الجزائر فالى المغرب الأقصى، و السبب في سرعة هذا الانتشار هو ذلك السلك وتلك الصلة التي تسري سريان القوة الكهربائية في أسلاكها.
فلا يكاد يحدث ما له تأثير من انبعاث حركة جديدة إلا انتقل في أقطار المغرب العربي الكبير،