لتخرج أساتذة الرياضيات والعلوم، وقسم أدبي لتخريج أساتذة اللغة العربية والجغرافية والتاريخ وما الى ذلك. على انه يجب ان يكون الالتحاق بهذا المعهد مباحا للمتخرجين من مدارس المعلمين المتوسطة بعد اجتياز امتحان خاص لالتحاق بمعهد التربية المذكور، فلا يكون دخوله مقصورا على حملة البكالوريا الكاملة. فالطلبة الذين يتخرجون من مدارس المعلمين يكونون حاصلين على المعلومات الضرورية في علوم التربية، فينبغي ان يفتح الباب في وجه المتفوقين منهم الراغبين في تلقي دراسة تربوية عليا. وهذا النظام متبع في الجامعات الاسبانية، حيث يقبل قسم التربية الموجود في كلية الآداب حملة إجازة المعلمين المتوسطة، زيادة على حملة الباكلوريا.
والمشكلة الثانية، هي مشكلة المدارس، وهي مرتبطة ارتباطا كبيرا بمسالة إعداد المعلمين. وتبدو هذه المشكلة أكثر تعقيدا في البوادي، بسبب قلة المدارس، وبعد المسافة بين المراكز التي توجد فيها مدرسة وبين المداشر والقرى. وفي رأيي انه يمكن الاستفادة ولو بصفة مؤقتة- من الكتاتيب القرآنية التي لا تكاد تخلو منها جماعة من الجماعات القروية، وذلك بإصلاح هذه الكتاتيب وتجهيزها بالأثاث المدرسي والوسائل الصحية، ومن جهة أخرى يجب تعميم نظام الأقسام الداخلية حتى يشمل جميع المراكز المدرسية أو معظمها، وبهذه الكيفية يمكن قبول المتفوقين والأذكياء الذين يصعب عليهم ارتياد المدرسة، بسبب بعد المسافة بينهما وبين مسكن عائلته. كما يجب إنشاء وتعميم مدارس رياض الأطفال في المدن لقبول الصغار الذين تتراوح أعمارهم بين الثالثة والسابعة. ولا يخفى ما لهذه الرياض من أهمية كبرى في حقل التربية وفي إعداد أجيال صالحة نافعة.
ومشكلة وضع المناهج والكتب المدرسية لا تقل خطورة عن مشاكل التعليم الأخرى. فالمدرسون لا يكادون يجدون بين أيديهم مقررات مدرسية ملائمة، كما انه ليست هنالك مناهج ثابتة وموحدة، وخاصة في المرحلة الثانوية. والمدهش ان بعض الكتب الضارة الموضوعة في عهد الحماية والتي لا تتناسب مع روح الاستقلال لا تزال متداولة في المدارس وخاصة، كتب التاريخ والمطالعة الموضوعة بالفرنسية. كما ان بعض الكتب المدرسية الواردة من الشرق لا تصلح للاستعمال في مدارسنا المغربية. لهذا فان إحداث لجنة دائمة للتأليف المدرسي أمر ضروري تدعو إليه مصلحة التعليم، وتكون مهمة هذه اللجنة- كما سبق أنقلت- وضع المناهج والكتب التي تلاؤم بلادنا وتتفق مع الأهداف القومية والإنسانية التي نتوخاها من التعليم. ولا شك ان وضع المناهج والمقررات المدرسية خطوة ضرورية استكمال تعريب التعليم بمرحلتيه الابتدائية والثانوية.
ومسالة أخرى يجب ان يعيد المسؤولون النظر فيها، وهي مسالة الامتحانات التي يجب أبعادها عن «البروقراطية» ما أمكن، إذ من العلوم ان بوزارة التربية الوطنية مكتبا مختصا بالامتحانات وأنا في هذا عل رأي المربي الكبير (ا. ن. هوايتهيد) الذي يقول «انه لا فلاح لنظام تعليمي ما لم يكن السؤال الموجه لأي تلميذ في أي امتحان سوء إلا صاغه أو ادخل عليه التعديل الكافي أستاذ المادة الذي درسها لهذا الطالب بالذات. أما الممتحن الخارجي فله ان يكتب عن المنهاج، وعن مستوى الطلاب». ولست أرى صواب إعداد الأسئلة وتجهيز الامتحانات في مكتب إداري.
*
أن هناك قضية حيوية في حقل التعليم، وهي قضية قومية يجب مواجهتها بشجاعة وواقعية بعيدة عن العواطف التي تتبدد أمام الحقائق الملموسة، تلك هي قضية التباين الخطير في التكوين والأفكار والمقاصد والنظر الى الأشياء، الموجود بين طبقات المتعلمين، سواء الذين لا يزالون منهم في المدارس أو الذين تخرجوا ودخلوا معترك الحياة. وهذا التباين ناشئ عن الوضعية التي كانت توجد عليها البلاد قبل الاستقلال وعن الخطط التي كان الاستعمار يرسمها للتفرقة وتشتيت الأفكار. فالدراسة في شمال المغرب مختلفة عنها في الجنوب وهي في سائر النواحي متباينة الأغراض متعددة الأشكال والأنواع، فهناك التعليم «الديني» و التعليم «الاسلامي» والتعليم الأوربي، وهناك لتعليم الحر الذي كان يتبع مناهج خاصة به ... كل ذلك أدى الى تباين في الأفكار والاتجاهات، ان لم نقل في الأهداف والمثل العليا. ولن أكون مبالغا ان قلت بان هذا التباين كان من أسباب الأعراض الذي تلمسه في كثير من شبابنا المتعلم تجاه قضية تعريب الإدارة والتعليم التي كان ينبغي ان نواجهها بمعزل عن لون الثقافة التي اكتسبناها، لأنها قضية وطنية كبرى يتطلب علاجها جرأة وشجاعة وإيثارا للصالح العام فليس إلا الجبن عن مواجهة الواقع بينة إصلاح الحال، يحول بيننا وبين الإقدام على خطورة جبارة انقلابية. فيجب إذن لن نواجه هذا الوضع بشجاعة ورغبة صادقة في توحيد برامج التعليم، وتأليف الأفكار، وتقريب الاتجاهات عن طريق المدرسة والصحافة والمحاضرات والإذاعة وسائر ضروب النشاط الثقافي، لنكون الشخصية المغربية المنشودة، التي تطبعها وحدة الهدف، والمشاركة الوجدانية، والتعاون المنتج المتبادل.