تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأبو هول الاستعمار هو ذلك (الفالج) الذي لم يبق من يجهله، ولمزيد التعريف به اروي لكم ما قاله عنه العلامة الأمريكي (ستودار) صاحب كتاب (حاضر العالم الإسلامي): (إن سياسة الاستعمار ترمي إلى خصاء الشعوب) ويقرب منه ما قاله المؤرخ الفرنسي (أوجين كانط) في كتابه (تاريخ إفريقيا الشمالية: إن سياستنا في المستعمرات تحذو حذو السياسة الرومانية التي رسمت خطة لها تسخير الشعوب حتى يصيروا مجرد مزارعين عند الحكومة.

تلكم هي الحال، صدق من صدق، وأبي من أبي. الواقع لا يرتفع.

*

فلم يبق لنا معشر المسلمين إلا البحث عن الطريق الذي ينبغي سلوكه أمام ما يتلبد أمامنا من الغيوم في الأفق السياسي.

بادئ بدء، يجب تنظيم شبه تعبئة عامة: انفروا خفافا وثقالا تحت شعار ما قاله حكيم الشرق جمال الدين الأفغاني الحسيني: «ما من أحد بأصغر من أن يعين، ولا بأكبر من أن يعان لأنه لا حد لكمال».

وذلك بالتشمير على السواعد لبناء مجتمع جديد يقوم على ثقافة شهد التاريخ والواقع بصلاحيتها ومضمون مفعولها، فلنبدأ بحفر الأساس باجتثاث العقائد والتقاليد التي لا يساندها اصل إسلامي صحيح ولا عقل، مما تشكو ثقله وركاكته الكتب التي منبت بحمله، يجثث اجتثاثا لا يترك عرقا ولا ورقا إلا قضى عليه ونبذ به على العراء، ثم الشروع في بناء مجتمع روحه العمل لبنته الأولى قوله تعالى (وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا) ولبنته الثانية قوله صلوات الله عليه وسلامه: «اليوم الرهان. وغدا السباق والجائزة الجنة».

ركنان أساسيان عظيمان كما ترى أن هما روعيا على ما يجب، لم يلبئا ان ينقلا الامة من الركود المتوارث إلى مضمار المسابقة الذي فتحه سبحانه لأهل الكتب الثلاثة التوراة والإنجيل والقرآن في قوله جل وعلا في سورة المائدة «ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة و لكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون»

وفي هذا المعنى من الآيات ما يجعل الكاتب بمنزلة من يجلب الماء إلى الساقية أو ينقل الحطب إلى الغابة من ذلك: وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسولكم والمومنون- والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا- ولكل درجات مما عملوا- يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا- انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله.

فلو كانت السعادة تنال بمجرد قول لا إله إلا الله كما يجري على الألسنة: من قال لا اله إلا الله دخل الجنة لما قال الكتاب: والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء.

وبالاختصار أن بياض نهار القرآن أغنى عن غلس كسب الأشعري وغموض مذاهب المتكلمين كسب الاشعري الذي صار مضرب المثل في الغموض فيقال أخفى من كسب الأشعري.

إن الإسلام كما نراه في مرآة القرآن ليس بدين تواكل ولا إحالة على المقادير في الجليل والحقير، الثابت عنه عليه الصلاة والسلام: الإيمان والعمل إخوان شريكان في قرن لا يقبل الله أحدهما إلا مع صاحبه»

وإلى حضرات القراء نماذج مما تهديه لطلابها ثقافة الإسلام:

النموذج الأول نلتمسه في سيرة المرشد الأكبر الأول صلوات عليه وسلامه يوم غزوة أحد، وشرح الحال باختصار: إن المشركين قد تقاسموا بعد انهزامهم في بدر ليأخذن بالثأر وليمحن ما لحقهم من عار، فأجمعوا أمرهم واستنفروا من استنفروا قاصدين المدينة معسكر الذين هزموهم في بدر، وكان عليه السلام قبل وصول العدو رأى رؤيا إن كانت تدل على شيء فعلى ما سوى الخير، رأى في سيفه ثلمة وبقر تذبح من حوله، ورأى أنه أدخل يده في كمه فتأولها هزيمة وأن بعض من أصحابه يقتلون، وأنه يلجأ إلى الالتجاء داخل المدينة. فلما أصبح الصباح تواردت عليه أفواج الشبان ممن لم يحضروا بدرا، جاءوا يلتهبون حماسا، فصاحوا: يا رسول الله لا يسرنا إلا أن تلقى بنا عدونا. فسكت عليه السلام لما في نفسه من أمر الرؤيا تاركا الجواب لكبار الصحابة بما يحمل الشبان على الأناة والتدرع بالصبر، فلما لم يجسر أحد لأجابتهم، دخل الرسول لمنزله ثم خرج لابسا لأمته ومغفرة عدة القتال، وملامح نوع من الانقباض تلوح على وجهه، فقال له أبو بكر: يا رسول الله، كأننا استنكر هناك على الخروج فإن رايت ان لا تخرج اليهم فلا خروج. فكان الجواب منه عليه الصلاة والسلام: ما كان لنبئ لبس لامته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه المناجزة.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٢٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٢٢٩