دعوة الحق ع7س2 أبريل 1959 .................... ص35
قصة: العهد الجديد يتطلب ثقافة ملائمة
للأستاذ أبي العباس أحمد التيجاني
معشر المسلمين، أتدرون وضعية المجتمع العام الذي أنتم جزء منه؟ أتدرون الروح التي تسير الأمم القابضة على زمام الزعامة بما توفر من عدد ودعة في الوقت الحاضر؟
أما وضعية المجتمع فهي ما يشاهده كل واحد من انقسام الدول العظام إلى معسكرين: الكتلة الشرقية والكتلة الغربية، وما تبقى من الأمم الثانوية والصغيرة على حد تعبير العصر فبعضها تحيز حقيقة أو حكما لإحدى الكتلتين وربط مصيره بمصيرها، والبعض الآخر لا يزال يتردد فهو في شبه أرجوحة تطيش به تارة لجهة الشرق وتارة لجهة الغرب، ومن هذا القسم الأمم الإسلامية فإن اقل ما يمكن أن يقال عنها أن موقفها يشبه موقف القائل:
ما بين معترك الأحداق والمهج.
هذا فيما يخص تصوير وضعية المجتمع بوجه عام. وأما ما مكان من الروح التي تسير الأمم المتسنمة لذروة الزعامة، فإننا نجدها متمثلة أظهر تمثيل في قول أحد علماء الاقتصاد الإنجليز إذ يقول:
إذا أتيحت لنا فرصة نرجو من ورائها ربح مائة في المائة سرقنا، وإذا كان الربح المرجو مائتين في المائة قتلنا ولا نبالي، وإذا بلغ ثلاثمائة في المائة ألقينا بأنفسنا في المهالك، ولو أدت الحال إلى تجرع كأس المنون.
معشر أبناء الإسلام. هذه هي نفسية الأمم الذين يلونكم وتجلسون معهم جنبا لجنب في المنظمات الدولية وفي مجلس الأمن، ما أكثر ما يتكلمون في هذه المنظمات على السلم، وما أكثر ما يكررون بأنه ليس هناك من المشاكل ما لا يوجد له حل سلمي، هذا الذي تردده علينا صباح ومساء مختلف الإذاعات وهذا ما تنشره الجرائد والمجلات. يقال لهؤلاء من أهون الهيئات تعليم الأبناء قراءة حروف الهجاء، إنما الصعوبة في تعليمهم قراءة ما بين السطور. كثرة الكلام على السلم تتناول بطريق المفهوم الكلام على الحرب، وذلك ما أدى (بزمارك) الألماني العظيم إلى القول بأن الإكثار في تصوير الشيطان على الحائط يوشك أن يخرج الشيطان بالفعل. تلك هي الحال فيما نحن فيه.
يقول الغربيون إن الهدف الوحيد الذي يسعى إليه العالم الحر، إنما هو إقرار السلم، والسهر على مبادئه، والكتلة الشرقية تجيب من جهتها:
عباراتنا شتى وحسنك واحد
وكل إلى ذاك الجمال يشير
الكل يقسم أن أردنا إلا الحسنى، والله يشهد انهم الكاذبون.
بينما نراهم يشهدون العالم أجمع أنهم لا يريدون إلا الحسنى، نراهم من الجهة الأخرى يعدون للصدمة المتوقعة عدتها من أحلاف تبرم، وقواعد جوية تؤسس وتجهز في طول المعمورة وعرضها، هذا ما يمليه علينا الواقع فيما يتعلق بالكتلتين المتجابهتين، مع العمل الذي لا مجال فيه لريب ولا احتمال، بأن الحرب واقعة لا مرد لها، حكم بذلك من خلق الإنسان وبعلم ما توسوس به نفسه في قوله جلت قدرته (ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسيوا حظا مما ذكروا فاغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة).
ولا يعقل أن تبقى هذه العداوة مستمرة على توالي الأجيال على يوم القيامة بدون أن تنفجر عن حرب، لا سيما وهناك آية أخرى تؤيدها وهي قوله تعالى: (ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد) يضاف الى كل ما تقدم داع آخر من الدواعي التي تحمل على التشاؤم، وهو أننا بينما نرى الدول العظمى في الحالة التي وصفت، ودورة الفلك السياسي كما شرحت، نرى إلى جانبها أبا هول الاستعمار جاثما يتحفز للوثوب.