(سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا)، وقال: (فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا)، وذلك أن للبشر سننا في حياتهم الاجتماعية فقوتهم وضعفهم، وغناهم وفقرهم، وعزهم وذلهم، وسيادتهم وعبوديتهم، وحياتهم وموتهم، كل ذلك منتهج على سنن الاجتماع جار عليه، وفي مقدمة ابن خلدون تقرير الشيء الكثير من هذه السنن. وقرر أن الصلاح ضمان البقاء: (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون)، وان الشقاق مدعاة لفناء الدولة: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)، وذلك كما وقع لدولة العرب بالأندلس، فإن سقوطها لم يكن عن هرم طبيعي، وغنما أودى بها الشقاق وقضى عليها التنازع والافتراق. وقرر أن العاقبة لأهل الصلاح والتقوى: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)، (ان الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين). وان اختلاف الآراء والمذاهب طبيعي في البشر: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم). وان للأمم والدول أعمارا لا تتعداها: (ولكل أمة أجل فإذا جاء اجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقيمون)، فكم بادت من أمم ونشأت من أمم. وقال: (وتلك الأيام نداولها بين الناس). وان الثروة والترف في أول الدولة مما يزيد الدولة قوة: (ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا)، وهو ما قرره ابن خلدون وفي فصل أن الترف يزيد الدولة في أولها قوة إلى قوتها. وقرر القرآن أن كل أمر يبرز في الكون مما شانه أن يرتبط بأمر الاجتماع لابد له من غاية يستقر عليها ويتجلى حاله نهائيا فيها: (وكل أمر مستقر). وان الترف والانغماس في النعيم مما يؤذن بفساد الدولة: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا)، وهو ما شرحه ابن خلدون في فصل أن الحضارة غاية العمران ومؤذنة بفساده. وقرر أن مصيبة الدنيا من شأنها أن تعم: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة). وأشار إلى ان لكل دولة عصبية ومصطنعين: (ان الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة)، وقال في سبب انتقال الحال: (ذلك بان الله لم يكن مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، وقال: (ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). وان الأمم إذا غلبت أسرع إليها الفناء: (ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا القليل إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضوره شيئا)، وقرر أن عدم مواساة الفقراء وقسوة القلب عليهم من أسباب الآفاق السماوية قال: (أنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة ... الآية). وان الاجتماع البشري ضروري: (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا). وأشار على ان طبيعة القوي الغالب ان يفرق بين المغلوب ليتمكن سلطانه: (ان فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم)، وقد أوسع هذا الناموس شرحا الفيلسوف أرسطو في رسالته المشهورة على الاسكندر يبين له الخطة التي يسلكها في أبناء ملوك فارس. وأومأ القرآن إلى ان الربا من مثيرات الحروب بذكر التحذير منه اثر الحديث عن الحرب، وذلك في سورة ءال عمران. وقرر ان المعاهدات والاتفاقات بين الأمم يجب أن تبنى على الإخلاص دون الدخل الذي يقصد به التوصل إلى ان تكون امة هي أربى من امة وأزيد منها نفعا، وبذلك تحصل ثمرتها قال تعالى: (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون إيمانكم دخلا بينكم أن تكون امة هي أربى من أمة)، وقد أفاد هذا النص من كتاب الله أن المعاهدات يجب أن تكون مبنية على الصدق والإخلاص وان تكون واضحة البنود بعيدة عن الإجمال وطرق الاحتمال؛ إلى ما قرره القرآن من المساواة بين الشعوب: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا). وان بإهمال العمل بهذا الأصل وحصول الجفوة والنبوة من بعض العرب نشأت الشعوبية وكانت من العوامل في هدم كيان دولة بني أمية، وقيام الفرس بدعوة بني العباس للأدلة من العرب، إلى ما قرره في مسائل الطلاق والحجاب وتعدد الزوجات مما هو أعدل شيء في تلك المسائل الاجتماعية المهمة، لو استمسكنا فيه بهداية القرآن؛ الى ما ثم من الحكمة البالغة في تحريم الربا والميسر وما ينشأ عن تعاطيهما من استئصال أموال ذوي الثروة واليسار مع التقاعس عن اكتساب الأموال من الطرق المشروعة من فلاحة وصناعة إلى ما فيهما من فساد الأخلاق، وشكاسة التعامل وجفاف العاكفة، على ان المعاوضات المنهى عنها وان كانت كثيرة فهي لا تخرج عن ثلاثة: الربى والباطل والغرر، ويرجع الغرر في التحقيق إلى الباطل كما قال ابن العربي في الأحكام، وقد قرر القرآن النهي عن أكل أموال الناس بالباطل.
مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٢١٨
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
مجلة دعوة الحقص ١٢١٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي