وقد صور قيام الساعة في مواضيع أخرى من التنزيل بتكوير الشمس وانتشار الكواكب وزلزلة الأرض ونسف الجبال، قال تعالى: (إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت وإذا الجبال سيرت وإذا العشار عطلت الآية ... (إذا السماء انفطرت وإذا الكواكب انتثرت وإذا البحار فجرت وإذا القبور بعثرت علمت نفس ما قدمت وأخرت)، فإذا النجوم طمست وإذا السماء فرجت وإذا الجبال نسفت)، (وفتحت السماء فكانت أبوابا وسيرت الجبال فكانت سرابا)، (يوم تكون السماء كالمهل وتكون الجبال كالعهن)
(فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان)، (يوم تشقق السماء بالغمام).
هذه جملة من تشبيهات القرآن، وان الاسترسال في تقرير ما تنطوي عليه أصداف الكتاب من أنواع المجاز وفنون البديع وما تحرزه من البلاغة الرائعة، مما ستدعي الزمن الطويل.
جاء القرآن فأهاب بالعرب وهم بين شعب الجبال ومواقع القطر ودعاهم لما يحييهم وأبطل عادتهم الصميمة في التفاخر بالآباء فقال: (يا أيها الناس أنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم)، وقال: (وان كذبوك فقل لي عملي ولكم علمكم)، فاعتبر عمله ولم يذهب مفاخرا، وبمقتضى هذه الآية خطب (ص) يوم فتح مكة فقال: يا أيها الناس ان الله قد أذهب عنكم غيبة الجاهلية وتعاظمها بابائها فالناس رجلان، بر تقي كريم على الله وفاجر شقي هين على الله، والناس من آدم وخلق اله آدم من تراب قال تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله اتقاكم ان الله عليم خبير). وبلغ ذلك النبي (ص) أيضا في حجة الوداع وتلا الآية كما أخرجه الطبراني في المعجم الكبير من حديث العداء بن خالد، وروى الحافظ بن عساكر بسنده إلى مالك عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: جاء قيس بن مطاطية إلى حلقة فيها سلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي فقال: هذا الأوس والخزرج قد قاموا بنصرة هذا الرجل فما بال هذا، فقام إليه معاد بن جبل فأخذ بتلابيبه ثم أتى النبي (ص) فأخبره بمقالته، فقام النبي (ص) مغضبا يجر رداءه حتى أتى المسجد، ثم نودي أن الصلاة جامعة، وقال: (يا أيها الناس ان الرب واحد والأب واحد والدين واحد وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم، وإنما هي اللسان فمن تكلم بالعربية فهو عربي. فقام معاذ فقال: فما تأمرني بهذا المنافق يا رسول الله فقال دعه إلى النار فكان قيس ممن ارتد في الردة فقتل.
وأبطل أيضا الكهانة وغيرها مما كانوا يتعرفون به الحوادث المستقبلية في زعمهم فقال: (أنهم عن السمع لمعزولون)، وقال: (قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله)؛ وكانت الكهانة عقيدة ثابتة فيهم وكان للكهان عندهم قيمة ولهم فيهم اعتقاد عريض لزعمهم أنهم يعلمون الغيب وكان لكل قبيلة كاهنها. وأبطل أيضا العصبية وما كان لهم من التناصر بها بحيث كان الحال كما يقول شاعرهم:
لا يسالون أخاهم حين يند بهم
في النائبات على ما قال برهانا
فقال: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين أن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى ان تعدلوا وان تلووا أو تعرضوا فان الله كان بما تعلمون خبيرا).
وخص الوالدين والأقربين بالتنصيص لأن شأن العصبية ان تكون من الالتحام بالنسب أو ما في معناه حسب ما قرره ابن خلدون في مقدمة تاريخه؛ وفي الحديث: (ليس منا من دعا عصبية وليس منا من قاتل على عصبية وليس منا من مات على عصبية). وحط من قيمة الشعراء وقد كان في الشعر هواهم بما يحفظ لهم من مفاخر الآباء وأسباب العصبية، ولم يتعرف إلا بما هو حق منه فقال: (والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا اله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا).
*
إعجازه بما فيه من سنن الكون ونواميس العمران: البحث في نواميس العمران والسنن العامة يسمى بفلسفة التاريخ وقد ذكر الأستاذ فريد وجدي في دائرة معارفه أن هذا العلم من ثمرات القرآن، وإني مورد جملة مما فيه من هذه النواميس العمرانية والسنن العامة:
القرآن حث في غير ما موضع على النظر في أحوال الأمم الهالكة للاعتبار بها والاتعاظ بحالها، ولنعلم أن عاقبة الأمم العاتية الهلاك والخسران فقال: (فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبير معطلة وقصر مشيد)، وقال: (وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين). وقال: ألم يوا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين). وقال: (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور). في آيات غيرها. وقرر ان الكون يجري على نظام ثابت وسنن لا تتبدل فقال: