تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وذلك لضيق النفوس ساعة العسر، وللتقرير بالنعمة في قوله: (فبأي ءلاء ربكما تكذبان) عقب كل نعمة أسديت.

ومما خوطب به أهل مكة أيضا قوله تعالى: (إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وان يسلبهم الذباب شيئا لا ستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب)، وقوله: (أو ألقى السمع وهو شهيد).

الإطناب في السور المدنية: قد روعي في السور المدنية الإسهاب والابانة لما أنها قد سيقت لتقرير الشرائع وبيان الحلال والحرام، وتفصيل أحكام المعاملة والحروب والمعاهدات، فكان الإطناب فيها هو مقتضى الحال ليتأتى العمل بها بوجه بين لتنفذ خططها كما يجب.

واستهلال الشريعة بتقرير الأصول قبل الفروع أمر تقضي به حكمة التشريع ضرورة، وقد اخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها: إنما نزل أول ما نزل منه سورة المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تقربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبدا ولو نزل لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنى أبدا. لقد انزل على محمد (ص) واني لجارية العب: بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر. وما نزلت سورة البقرة والنساء ولا وأنا عنده).

ومن أمثلة الإطناب في التشريع ما في آية المحارم: (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم .. الآية). ومثلها في الاستيذان: (يا أيها الذين آمنوا ليستاذنكم الذين ملكت إيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات ... الآية).

وكذلك مما يقع فيه الإسهاب قصص بني إسرائيل، فقد قال الجاحظ في كتاب الحيوان صحيفة 46ج1: ووجدنا الناس إذا خطبوا في صلح بين العشائر أطالوا، وإذا انشدوا الشعر بين السماطين في مديح الملوك أطالوا وللاطالة موضع وليس ذلك بخطل، وللإقلال موضع وليس ذلك من عجز، ثم قال: ورأينا اله تبارك وتعالى إذا خاطب العرب والإعراب اخرج الكلام مخرج الإشارة والوحي والحذف وإذا خاطب بني إسرائيل وحكي عنهم جعله مبسوطا وزاد في الكلام.

وقد قال الرافعي في إعجاز القرآن صحيفة 257 إن ذلك الإسهاب والبسط والتوضيح والتكرار لقصصهم، جرى على منهاج الأدب العبري ليدرك أحبار اليهود وأهل العلم منهم من إعجازه في أسلوب أدبهم ما أدركه العرب من إعجازه في أسلوب لسانهم.

والذي نراه أن هذا النوع من الخطاب لا يجري على الأدب العبري، وإنما الواقع فيه أنه لما كانت نفسية العبرانيين لا يتأتى التأثير عليها إلا بتكرار الكلام وإعادته والتنوع في ألفاظه، وكان وجدانهم لا ينفعل إلا لخطاب متكرر المعنى والألفاظ، روعي في خطابهم هذه النفسية وهذا الوجدان، فالقي إليهم الكلام بالأسلوب العربي الذي يلقى لمن كانت نفسيته على ذلك الوصف، فإن البلاغة هي ان تبلغ المتكلم ما يريد من نفس السامع، فهذا الأسلوب من أسرار اللسان العربي أيضا، لا انه جرى على اسرار اللسان العبراني، والقرآن نزل بلسان العرب وعلى منهاج بلاغتهم.

التشبيه في القرآن: التشبيه عند العرب يكسب سورة المعنى تحقيقا ويكسوها حلة المشبه به من حسن ورعة أو خسة وضعة، وهو في الذروة العليا عند أهل الصناعة، ومن أجل ما يبتهل له عند حسن البيان.

ومن بديع التشبيه في القرآن تشبيه أعمال الكفار بالظلمات المتراكمة في قوله تعالى: (أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا اخرج يده لم يكد يراها).

وقد تضمن هذا التشبيه وصف البحر في حال غليانه وهيجان موجه وركوب بعضه بعضا، وهذا الوصف مما ينطق بأن هذا القرآن ليس من تلقاء نبينا (ص) لأنا نعلم يقينا أنه لم يركب البحر طول عمره، وقد وصف في هذا التشبيه البحر بصفات لا يمكن أن يتخيلها من عاش في جوف الصحراء لأن مادة الخيال تستمد من الحس، ولا يعرف هذه الصفات إلا المتلجج في المحيطات العظام كالمحيط الأطلسي في طريق العالم الجديد. فإن قلتم هل رأى نبيا (ص) البحر، فالجواب أنه ليس لدينا ما ينطق بذلك يقينا، وكل ما عندنا أنه يمكن أن يكون رأى سواحل البحر الأحمر في طريق الهجرة لما في حديث الصحيح فسلك بهم الدليل طريق الساحل، ويمكن ان يكون رأى خليج ايلة من البحر الأحمر لأنها محط القوافل في طريق الشام، وقد سافر (ص) إلى الشام، ويمكن أن يكون رأى بعض سواحل البحر الميت لأنه في طريق الشام أيضا كما قال تعالى: (وأنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل)، إلا ان الوصف الواقع في الآية فوق ذلك، فانه لا يكاد يتم إلا في لجج الاقيانوسات العظام.

ومن تشبيهات القرآن المحتوية على كنوز العلم التشبيه الواقع في آية (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب)، واليكم بيانه: السجل معناه الورق المكتوب فيه والكتاب نفس المكتوب، واللام بمعنى: على. أي نطوي السماء كطي الدرج على ما فيه من سطور مكتوبة. قاله في أعلام الموقعين. وإطلاق الكتاب على نفس المكتوب وارد في التنزيل قال تعالى: (ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا أن هذا إلا سحر مبين)، وقال (رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة) كما يطلق على الكتاب بالمعنى المذكور اسم الخط.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٢١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٢١٦