دعوة الحق ع7س2 أبريل 1959 .................... ص16
القرآن دعامة الوحدة
للأستاذ محمد الطنجي
أن الروابط التي تربط الإنسان بأخيه الإنسان خارج دائرة أسرته من وطن وجنس ولغة وثقافة وعقيدة وأهداف مشتركة تكثر أحيانا بين الجماعات البشرية فيوحد بين جماعة وأمة ومخصوصة جلها أو أكثرها، وتقل أحيانا أخرى، وتتحد أحيانا، وتتباين أحيانا أخرى، وكلما كثرت واتحدت كانت ادعى لتكوين القوميات، ولكما اتسعت واكتسبت صبغة العموم وصفة الشمول في وصفتها هذه زادت فائدتها وقوى أثرها وعملت علمها في تكوين الأمم وتهيئة الدول الفتية وإنشاء الحضارات التاريخية الكبرى.
وأن الناظر إلى حالة الأمة العربية في عزلتها عن العالم الخارجي قبل البعثة المحمدية وتنازعها القبلي المستمر بينها، ونزعتها العنصرية الضيقة، وتعدد آلهتها الوثنية، وكثرة أصنامها المعبودة والمقصودة والمنذور لها.
نقول أن الناظر إلى الأمة العربية في حالتها تلك ليجدها غيرها بعد ما شملتها الهداية المحمدية، حيث تعددت روابطها وتوحدت مشاعرها وتمت عناصر تكوينها كأمة هيأتها الأقدار الالاهية لتلعب أدوارا خالدة في التاريخ البشري، وتتحمل مسؤولية تبليغ رسالة الإسلام الخالدة للعالم وتكون امة نموذجية في الوجود كما وصفها الله تعالى في قوله: كنتم امة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتومنون بالله.
نعم تمت عناصر تكوينها من لغة وعقيدة وتشريع وأخلاق ومنافع مشتركة، وأهداف عليا تسمو عن العنصرية وتخدم العدالة والحق والقيم الإنسانية.
وأهم ما احدث فيها هذا الانقلاب الاجتماعي الخطير الذي أدهش العالم وغير نفسيات الأمم والشعوب، هو ذلك الكتاب الخالد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.
فكان طلوع هذا الكتاب على البشرية كالشمس وقت إشراقها.
حتى إذا طلعت في الأفق عم هذا
ها العالمين وأحيت سائر الأمم
ويعجبني أن أشير هنا إلى ما روي عن علي كرم الله وجهه، حيث قال: عليكم بكتاب الله فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم هو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن خاصم به فلج، ومن دعا إليه هدى إلى الصراط مستقيم.
والحقيقة أن هذا الأثر يستحق كل عناية من رجال الوطنية المسؤولين في التعليم وأصحاب الأفكار التقدمية، حتى يستوحوا منه أن القرآن أهم دعائم الوحدة الإسلامية لاشتماله على كل العناصر المهمة لتكوينها وتدعيمها واستمرارها في الوجود، ولا أعد نفسي مبالغا إذا أضفت على ذلك القول بأن من مقتضى التفاف المسلمين حول القران ان يعود غليهم الاتحاد المنشود وأن تتصف وحدتهم من جديد بالخلود،