ذلك أن للغة كل امة حية آثارها وثروات أدبية وفكرية، صاغها عظماء شعرائها وأدبائها في صورة قصص وحكم وأمثال، وألحان وأزجال، ووصف للملاحم والكفاح الوطني والنزال والقتال وتنسيق وأحكام لوضع روايات لتخليد التقاليد الطيبة وحياة العظماء والأبطال.
وكل هذه الآثار في مختلف الأمم يكون لها نصيب أكبر من حصص الدراسة في المدارس في قصص المطالعة وقطع المحفوظات، وقواعد اللغة والتصريف، وغير ذلك، كما يعمل الانجليز في آثار شاعرهم الكبير شكسبير، والألمان في مخلفات شاعرهم (كيت) والفرنسيين في أقوال فيكتور هيكو وإضرابه، والأسبان في أدب كاتبهم سرفانتيس وغير هؤلاء من الأمم في آثار أدبائهم وشعرائهم الشعرية والنثرية والقصصية، وقد يبالغ الانجليز فيقولون مثلا أن شاعرهم شكسبير يكون رابطة بينهم بأدبه وقصصه أقوى من رابطة الكومنولت في الشعوب البريطانية. والمسلمون يجدون القرآن يشتمل على القص والعقيدة والتشريع وتربية العواطف الدينية وتوحيد المشاعر الأهداف في نزاهة لفظ وسمو خيال، وروعة أسلوب، واستخلاص عبرة، وتقويم أخلاق، مما يرتفع بقارئه ودارسه والمتخلق بأخلاقه وآدابه إلى درجة الكمال في كل منحى من مناحيه، و معنى من معانيه.
ولا يمكن أن يقاس بالقرآن غيره أو يساويه في أي مرمى من مراميه، فقد توحدت به اللغة العربية وكتب الخلود به للغة فريش، لأن القرآن نزل بها وبلهجتها، وزاد على الآثار الأدبية الأخرى المقروءة والمدروسة بكونه لغة صلاة المسلمين اللازمة خمس مرات في اليوم والليلة يقرأ جميع المصلين كل يوم حصة منه ويناجون ربهم به، في مناجاتهم ودعواتهم وابتهالهم على اختلاف جنسياتهم، ففيه نبأ ما قبلهم وخبر ما بعدهم وحكم ما بينهم من قصص لاعتبار، وأمثال للاستبصار إلى حكمة دامغة، وعظة بالغة، وتشريع محكم، على أساس العدالة والحق مبرم، ووصف للرب بكل أوصاف الكمال والجلال وتنزيه له عن كل عيب ونقصان، وبالجملة هو كما وصفه الله: «كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير».
وأزيد من هذا كله أن المجمع الإسلامي تكيف بتعاليمه مدة ثلاثة عشر قرنا، وبلغت منه الأعماق وحبب إلى كل مسلم أن تكون تربية ذريته وأهله الى أحكامه وأخلاقه وآدابه، رغبة منه في أن تعيش في كنف تعاليم القرآن طاهرة الذيل، كاملة الفضل والعقل، وتلك من الآثار الطيبة للقرآن في المسلمين كما قال النبي عليه السلام: خيركم من تعلم القرآن وعلمه، وقال في تفصيل وتوضح هذه الخيرية (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم والملائكة ونزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده.
ومما زاد به فضل القرآن على تقوية الروابط بين المسلمين، أنهم بعد اعتقادهم بأنه كتاب مقدس منزل من عند الله يتعبد بتلاوته، وتتحتم إقامة فروضه وحدوه، اهتدوا إلى تدوين العلوم الإسلامية، وجمع آثار العرب اللغوية والفكرية، حتى يتعرفوا تشريعه وتأثيره، وتفسيره وقراءته وتأويله، فاتسعت دائرة العلوم والثقافات الإسلامية، وخلقت هذه الثقافات والعلوم روابط متينة بين الأمة الإسلامية، قاربت ووحدت بين ميولها وتفكيرها وعقليتها، فصارت على قلب رجل واحد، وخرجت إلى واقع حياة الناس تحمل مشعل النور، وسفر الكتاب المسطور الذي كتب الله لأهله الغلبة والسيادة والظهور. ومشارق الأرض ومغاربها مملوءة بالآثار التاريخية والعلمية والأدبية الشاهدة بما كتب فيها للأجداد من مقام كريم، وتاريخ عظيم، يشهد به الأعداء قبل أن يذكره الأصدقاء.
فالمسلمون أمة واحدة تعبد ربا واحدا، ولدينها الإسلامي لغة واحدة، ويفرض عليها هذا الدين شريعة واحدة تساوي هذه الشريعة بين جميع أتباعها، لا فرق بين مشروف وشريف، وقوي وضعيف كما قال نبيها العظيم (المسلمون سواسية كأسنان المشط تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم) فينبغي لكل مومن ومثقف وكل وطني يحب وطنه أن يشعر من أعماق قلبه بجامعة اللغة العربية، ورابطة العقيدة الإسلامية ومصلحة التشريع المشترك، و فوائد توحيد المشاعر والأهداف الوطنية العليا التي عادت على الأمة الإسلامية جمعاء بكل خير، حتى استظلت تحت رأية القرآن والوطن الإسلامي الكبير زهاء خمسمائة مليون من البشر، لا ينقصهم لتكون لهم الكلمة العليا في الميدان والميزان الدولي إلا أن يعاودوا سيرة أسلافهم في الإخلاص للغة القرآن والعمل بشريعته ولا بأس أن يتنازل بعض كبراء المسلمين المترفين عن بعض الكماليات في أسلوب حياتهم لينزلوا لمستوى وسط يستطيعون معه ان يقيموا للإسلام فرائضه وحدوده، ويعززوا مركزه ووجوده، ويحفظوا مواثيقه وعهوده، فان أوربا رغم قوة حضارتها المادية تعاني من الانحلال الخلقي، والمآسي النفسانية، والمشاكل الاجتماعية ما لا يجمل بالعالم الإسلامي في دورته التاريخية المقبلة الباسمة ان يتخذها قدوة له في كل شيء بل الواجب على العالم الإسلامي كله في الشرق والغرب ان يحافظ على روحانيته ويعمل بكل قواه على إحياء ما ضعف من عناصرها وان يأخذ عن الغرب قوة المادية فحسب، فيضيف إلى قوة نفسه،