تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلوات الله عليه وسلامه: (من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) إيمانا لا تقليدا ولا خوفا من العار. واحتسابا أي طابت نفسه بذلك واحتسب أجره على الله فلا يستثقل صيامه ولا يستطيل أيامه. هذا بعض ما كان بين يديه. وأما ما وراءه من المقاصد المعنوية فإنه نظام عملي بديع فرضته الشرائع على كل إنسان مكلف صحيح فرضا يتساوى فيه الأغنياء والفقراء والأقوياء والضعفاء. فيمتنعون جميعا عن كل ما يشتهي طبعا ويستلذ عادة طوال أيام معدودات يشعر فيها الفقير بمساوة الغني له في فراغ البطن وخلاء الجوف، كما يشعر الغني بضرورة مواساة المنكوب والمحتاج في الأرض. لأن الألم المشترك يخلق الرحمة ويجلب المودة. والمساواة في الفقر ولو مؤقتا تبعث على المواساة في حال اليسر والغنى. فصار الإحسان بمقتضى هذا النظام المستقيم والمذهب الحكيم ساريا في نفوس الجميع ومعترفا به من طرف الخاصة والعامة على السواء لا يختلفون في حقيقته ولا يتنازعون في شأنه. وكلما نفذ الفكر في الأنظمة الإسلامية وعمق النظر في الخطط الدينية أدرك ما يكمن فيها من معاني الإخاء والمساواة. والإحسان والمواساة. وتهذيب النفوس وتطهيرها من أعمال السوء وءاثار الكفر. وبذلك تكمل الإنسانية. ويرتقى عقلها. ويعم خيرها وفضلها. ثم إعداد الصيام لهذه المعاني الشريفة ظاهر من جهة تعويد الشفقة والرحمة على البائسين والمحرومين وبهما أحياء العواطف والروابط التي أوحى بها الدين وكفلها الإسلام. ومن جهة اعتياد الأمم لنظام العيش والغذاء حيث أنهم يأكلون في وقت معين خاص لا يتقدم واحد على ءاخر وذلك من معاني التوحيد في الشعوب المتمدنة. ومن جهة إزالة الصيام لرواسب المادة وتجفيفه للعفونات الضارة. وغسله الأمعاء من سموم البطنة طلبا للصحة والراحة. ومن جانب تهيئته لخشية الله ومراقبته في السر والعلن. فالصيام سر بين العبد وربه لا يشرف عليه حد غيره، فمن مارس هذه الخشية وداوم عليها شهرا كاملا تعود الحياء من خالقه والمراقبة في أمره ونهيه. والشعور بالمراقبة هو العامل الأساسي في نجاح العبادات والأعمال. والباعث القوي على التدرج في مقامات الكمال. وتلك المراقبة تؤهل الإنسان إلى سعادة الدنيا وسعادة الأخرى. ولولا أن الصوم كان بهذه المكانة بين شرائع الدين وفرائض الإسلام لما وعد الله الصائمين أن يتولى ارجهم بنفسه وأضاف ذلك إلى ذاته. فلنحذر أن نصوم البهائم إذا منعت من الأكل ساءت أخلاقها واشتد باسها وقوى غضبها. ولنبتعد من ارتكاب الخطيئات وانتهاك الحرمات. واستكثار ألوان المطعومات والمشروبات. فلذلك لا يليق بالمؤمن الكامل ولا يحقق كسر الشهوة ولا يؤمن من شر التخمة. ومن امتلأت معدته نامت فكرته وخرست حكمته وقعدت أعضاؤه عن العمل. والله يوحي إلينا على لسان نبيه وصفيه: (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا أنه لا يحب المسرفين) فالصوم يتقي به شر أخلاط المعدة وأخلاق السوء ويتقي به الفساد في الأرض والانحراف في العقل والتبذير في الأموال فهو سعادة المؤمنين يرقى عقولهم ويزكي نفوسهم ويرفع مقامهم. والصائم حقا هو الذي يحتضن الفضائل الإسلامية ويلتزم الأخلاق المحمدية. ويعتنق الآداب الشرعية. فيخرج وقد حلق في الجو بفضائله، وافرغ على البشرية حلل معانيه. وما أحسن إشاعة روح فضائل الصيام بين الشباب رجاء أن يساس الشعب بهذه السياسة الرشيدة. لتمكين سلطان الدين من قلوب العامة وأخذهم به من أول عهد الصبا فيطلعون في كنفه ويتربون في أحضانه ولعل السبب في انحدار المستوى الاجتماعي وتدهور معناه يرجع إلى تربية الأطفال. من لدن نعومة أظفارهم وتعليق تمائمهم على خلق الاستخفاف بالدين والتحلل من قيوده وتكاليفه فيشب اغلبهم أبعد ما يكون استمساكا بالآداب الدينية والأخلاق الطاهرة فإذا وصل بهم العمر إلى طور الرجولة كانوا منبع فتن ومصدر قلاقل يضطرب من جرائها حبل الأمن والسلام. ولا يسع أحدا أن ينكر ما للتربية الأولى في الصغر من اثر في الخير أو الشر. فإذا أخناه في مبتدأ حياته بالفضل والطهر والصدق والأمانة سعد من أثر في الخير أو الشر. فإذا أخذناه في مبتدأ حياته بالفضل والطهر والصدق والأمانة سعد في نفسه و سعد به مجتمعه أيضا. وإلا فالويل له من نفسه وويل مجتمعه من سفهه. ولا بد في الشعوب الجاهلة أو المتمردة على الأخلاق والدين من سلوك طريق الالتزام مرة واللجوء إلى اللين تارة أخرى. والمسلك الأول أكثر نجاحا وأوفق طريقا لأن كثيرا من الناس لا يتأثرون من غير هذه الناحية وهو ما رآه عثمان بن عفان رضي الله عنه حين قال كلمته المشهورة (إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) ونسأل الله وحده أن يجعلنا ممن اتبع هداه وخالف نفسه وهواه والسلام.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٢٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٢٠٨