دعوة الحق ع7س2 أبريل 1959 .................... ص14
عقيدة الإسلام شريعة وكفاح
للأستاذ: الرحالي الفاروقي
جاء الإسلام وهو عقيدة تنبعث من أعماق القلوب. وعمل يظهر بمختلف الأسلوب. فكانت العقيدة فيه أصلا أصيلا. وكان العمل فيه تابعا ولازما. والعمل إذا لم يكن له سناد معنوي أولا وعماد مادي ثانيا يتوقف عن سيره ولا يمضي في طريقه. فلا تذهب عجلته إلا بقوة تدفعها. وروح تحركها. وذلك روح الإيمان والإيقان. ثم سر الأمداد والإمكان فالإنسان يسمو بصحة العقيدة وصدق العزيمة وحسن التربية. وعلى هذا الأساس تنبني سائر الأعمال وترتكز جميع الحركات. وصدق النتائج بصدق المقدمات.
هكذا نشأ الإسلام في حياته الأولى فكان صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم يحاول أن يثبت هذا المبدأ في النفوس ويغرس شجرة الإيمان في القلوب. وكان يتخولها بموعظته ومؤاخاته بين أصحابه. ويسقيها بمعارفه وحكمه. والوحي يأتيه في ذلك من ربه. حتى إذا ما انبثقت وثبتت هيمنت قوة الإيمان على المشاعر والحواس. وجعلت صاحبها مستعدا لتنفيذ جميع ما فرض عليه من الأعمال. وصابرا على تقلبات الظروف والأحوال. ومرت الدعوة على هذا النمط في طورها الأول واقتضت حكمة الله انتقال الدعوة إلى محل خصيب. قابل للبذر. صالح للإنتاج. فكانت مدينة الأنصار مجالا واسعا للنفوذ ومكانا ساميا في الوجود. ويومئذ فرض التكافل الاجتماعي بين المسلمين. وهيئت معاهدة التئاخي بين الأنصار والمهاجرين. وبدأت التكاليف والتشريعات المدنية تتوالى شيئا فشيئا. ومن ذلك الحين رسم الإسلام خطته المحكمة وتابع نشاطه العملي في المصالح الأساسية والحروب الضرورية. حتى رجحت كفته وانتصرت حجته وأصبحت الجزيرة العربية فيما بعد مهد الإسلام الأول ثم تتابعت أعمال الفتح والإنشاء. والتمدين والبناء إلى أن تم صرح المدنية الإسلامية. وتجاوزت الحدود العربية. إلى ما وراء البحار من الكرة الأرضية وأشرقت الآفاق بأنواره. وتضوعت الأرجاء بنشر ذكائه. وكل هذه المعاني السامية من إيمان وصبر وعمل وشكر وجهاد ونصر يوحي بها شهر رمضان ذلك الشهر الذي أنزلت فيه التوراة والزبور والإنجيل والفرقان ذلك الشهر الذي يذكرنا بعزة الإسلام في غزاة بدر «ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون» ذلك الشهر الذي فتحت فيه أم القرى أبوابها وشرحت للإسلام صدر ها فكان شهر الفتح والنصر دخل فيه رسول الله مكة رافعا رأسه في كتيبيه الخضراء. وعلى ناقته القصواء يقرأ: «إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراط مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا» وافطر صلى الله عليه وسلم في طريقه وقال إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم، فأفطروا لمشقة السفر. ولغاية الفتح والظفر. وبهذه الذكريات العزيزة كان كلما أهل هلال رمضان تسابقت النفوس إلى مصافحته. وآمنت بمعانيه وفضائله. وتجددت الذكريات. وارتفعت الأصوات. وغصت المساجد. وامتلأت المعابد. وانطلق المومن يسبح في بحر الإحسان. فيذكر إخوانه المحتاجين ويرحم الأرامل والمقعدين. وتتلخص نفسه من حبائل الشيطان وطبائع الحيوان. وكلما أتى رمضان أضفى على الإنسانية حلة أمن وإيمان. وحب وإحسان. وأملى دروسا من الصبر والكفاح لتحطيم الأنانية والطغيان وإقصاء النفس من المآثم والعدوان.
والصيام لجام المومنين المتقين. ورياضة الأبرار المقربين. وجنة المجاهدين والمحاربين. وله درجات ومراتب. أدناها الكف عن الغذاء وشبه الغذاء وأوسطها امتناع الجوارح من الوقوع في الموبقات. وأعلاها كف النفس عن الوسوسة والالتفات. ومن عادة التشريع الإلاهي انه إذا شرع لعباده سننا وأحكاما لا يقف عند هذا الحد، بل يذهب إلى الترغيب فيه بوسائل الخير والثواب تشجيعا وتنشيطا للعاملين. والنفوس مجبولة على حب الأمل ولا تعيش بالأجل. ولذلك تذكر فضائل الاعمال ازاء شرعية الاحكام. يقول الله تعالى: (الصيام لي وأنا أجزي به). فيؤول على معنى أن الله ينفرد بمقدار ثوابه وتضعيف حسناته. من أجل أن الصوم يتضمن الصبر وإنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب. وأما غيره من العبادات فقد كشف عن حسابها وقدر ثوابها. الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ويمكن أن يؤول أن جميع العبادات تؤخذ في التبعات إلا الصوم فلا توفي منه المظالم. ويقول الرسول