دعوة الحق ع7س2 أبريل 1959 .................... ص9
الإسعاف في نظر الإسلام
للأستاذ: عبد اله كنون
ليس من شك في أن الأديان كلها جاءت بالعطف والمودة والرحمة، وهذه الصفات هي النبع الإنساني الثر الذي يفيض بعناصر البر والخير والإسعاف .. ونحن هنا إنما ننظر إليها بنظر الإسلام الذي هو ديننا، وهو ختام الأوضاع الإلهية التي ناط الله بها سعادة البشر وهناءتهم.
ولعل مما لا خفاء به أن السمة الخلقية الخاصة التي يتسم بها الإسلام هي أنه دين الرحمة، ومن أسماء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم اسم نبي الرحمة، فقد قال الله عز وجل فيه: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» وافتتاح القرآن وسائر سوره بالبسملة له دلالته الخاصة على هذا المعنى، فإنها أربع كلمات اثنتان منها هما الرحمن الرحيم. وما خص هذان الاسمان من بين أسمائه تعالى التي تبلغ تسعة
وتسعين اسما في فاتحة القرآن في أول كل سورة إلا للإشعار بأن الرحمة هي أولى الصفات التي ينبغي أن يتصف بها المؤمن.
وقد تكرر وصفه تعالى بالرحمة في غير ما آية من الذكر الحكيم وأخبرت إحدى إلي الكريمة أن رحمته تعالى تسع كل شيء، فدل هذا التعبير العام على عظة هذه الصفة وما لها من عموم التعلق بجميع الكائنات، وثم آية أخرى يقول العلماء أنها أرجى آية في القرآن وهي قوله تعالى: «قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» وفعلا فإنها قد خاطبت المطيع والعاصي بدون استثناء، وفتحت أبواب الرجاء للجميع، في مغفرة جميع الذنوب، رحمة منه تعالى لعباده الضعفاء، وأكدت ذلك بجميع أدوات التأكيد حين ختمت بهذين الوصفين البليغين: الغفور الرحيم.
وقد جاء في السنة النبوية ما يطابق الآية الكريمة «وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ» وذلك هو قوله صلى اله عليه وسلم: «إن الله تعالى لما خلق الخلق، كتب على نفسه: أن رحمتي تغلب غضبي» وفي حديث آخر «إن الله تعالى جعل الرحمة في مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا، وانزل في الأرض جزءا واحدا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن والدها خشية أن تصيبه» وهذا حكم على طبيعة هذه الدعوة الإسلامية بأنها للرحمة أولا وآخرا، وباطنا وظاهرا، وهو بالتالي دعاء إلى التخلق بها والنزول عند مقتضياتها فما اكبر الإسلام من شأنها هذا الإكبار إلا لذلك، وقد جاء في الحديث: «من لا يرحم لا يرحم» وفيه أيضا: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»
وقد رأيت كيف عم القرآن بالرحمة كل شيء، فهي تشمل الإنسان والحيوان ولا تخص أحدا من المخلوقات، ومن الأمثلة المضروبة على ذلك في السنة النبوية ما روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سبي فإذا امرأة تحلب ثديها تسقي إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: «أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ فقلنا: لا، وهي تقدر على أن لا تطرحه. فقال: الله ارحم بعباده من هذه بولدها.» وروى
ابن مسعود رضي الله عنه: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فانطلق لحاجته فرأينا حمرة أي أنثى طائر احمر معها فرخان فأخذنا فرخيها فجاءت الحمرة فجعلت تفرش يعني ترفرف، أو تعرش يعني ترتفع فوقهم فقال النبي صلى اله عليه وسلم من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها».
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «بينما رجل يمشي بطريق، اشتد عليه العطش فوجد بيرا فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي، فنزل البير فملأ خفه ثم أمسكه بفيه فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له. قالوا يا رسول الله، وأن لنا في البهائم أجرا؟ فقال: في كل ذات كبد رطبة أجر.» وروي أيضا أنه قال: دخلت امرأة النار في هرة حبستها فلا هي أطعمتها وسقتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض».