فهذه كلها صور تعطي مثالا عن الرحمة التي جاء بها الإسلام ودعا إليها أهله، ليتخذوها شعارا لهم ودستورا خلقيا ينظم علاقاتهم الفردية والجماعية وسلوكهم في الحياة إزاء الناس وجميع المخلوقات. بل لقد حض الإسلام على الرحمة حتى عند الاضطرار إلى ارتكاب ما ينافيها كالذبح وحالة الحرب، فقد جاء في الحديث: «أن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته».
وأوصى أبو بكر الصديق جيشا أرسله الى الشام فقال: «لا تخونوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلا ولا شيخا كبيرا ولا امرأة، ولا تعقروا نخلا وتحرقوه ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا للأكل، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع (يعني الرهبان) فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له .. » وهذه الوصية التي جعلت لحرب أسمى قانون إنساني عرفته البشرية إلى الآن، هي مما استمده الخليفة الأول من تعاليم الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته في حروبه، وبمقتضاها حكم المؤرخ الفرنسي مسيو جوستاف لوبون على حرب الفتوح الإسلامية فقال كلمته المشهورة (لم يعرف العالم فاتحا ارحم ولا أعدل من العرب).
ومما يتعلق بهذا الموضوع أن الإسلام حرم القتل بالنار، وقال نبيه عليه السلام في هذا الصدد «لا يعذب بالنار إلا خالقها». وفي رواية «لا تعذبوا بعذاب الله» فامتنع في هذا الدين الرحيم الحرب بوسائل الجهنمية من مخترعات العصر الحديث التي يهدد بها زاعمو التمدن من دول الطغيان، الإنسانية جمعاء، ولا يقتصر النهي عن التحريق على جنس الإنسان بل يشمل الحيوان أيضا وهو ما يشعر به حديث ابن مسعود: «رأى النبي صلى الله عليه وسلم قرية نمل قد أحرقناها فقال من حرق هذه؟ قلنا نحن، قال انه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار».
وما دمنا قد تطرقنا للكلام على الحرب، وهي ميدان واسع لأعمال الإسعاف، فلنذكر ما سنه الإسلام من ذلك في هذا الميدان وأهمه العناية بالجرحى وكفالة أبناء الشهداء وما إلى ذلك مما يخفف من ويلات الحرب ويمسح دموع المصابين بشرورها. وقد علم من سنته صلى الله عليه وسلم أنه كان ينهي عن الإجهاز على الجريح من العدو وما ذلك إلا لتوقع معالجته والعناية به حتى يبرأ، لأن الحرب في الإسلام ليست عملية عدوانية أو انتقامية وإنما هي دفاع الجات إليه الضرورة، ومن القواعد المقررة في الأصول أن الضرورة تقدر بقدرها، فإذا سقط المحارب جريحا فقد أمنت غوائله في ميدان الحرب فلا داعي للإجهاز عليه بعد ذلك، أما كون حرب الإسلام للدافع لا للهجوم فيدل عليه قوله تعالى: «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ» وقوله عز وجل: «لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ».
ولما كانت النساء أرق عاطفة وأرفق يدا في معالجة المرضى فقد اسند إليهن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر العناية بالجرحى وكان يستصحبهن في غزواته ليقمن بأعمال الإسعاف التي تقتضيها الحرب ومن ذلك ما روي عن الربيع بنت معوذ قالت: «كنا نغزو مع النبي صلى اله عليه وسلم فنسقي القوم ونخدمهم ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة» وباشرت زوجات النبي صلى الله عليه وسلم أنفسهن هذا العمل وبنته فاطمة عليها السلام .. ففي حديث أنس عن غزوة أحد: «ولقد رأيت عائشة وأم سليم وأنهما لمشمرتان، أرى خدم سوقهما يعني خلاخلهما، تنقلان القرب على متونهما تفرغان الماء في أفواه القوم ثم ترجعان فتملآن ثم تجيئان فتفرغانها في أفواههم» وعن أبي حازم أنه سمع سهل بن سعيد وهو يسأل عن جرح رسول الله صلى عليه وسلم في أحد فقال: «أما والله إني لأعرف من كان يغسل جرح رسول الله صلى عليه وسلم ومن كان يسكب الماء وبما دووي، قال كانت فاطمة تغسله وعلي بن أبي طالب يسكب الماء بالمجن فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير فأحرقتها وألصقتها بالجرح فاستمسك الدم» وروى عن أم زياد الأشجعية أنها خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر سادسة ست نسوة، قالت: «ومعنا دواء نداوي به الجرحى ونناول السهام ونسقي السويق» وعن أم سنان الأسلمية قالت: «لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج إلى خيبر جئته فقلت: يا رسول الله أخرج معك اخرز السقا وأداوي المريض والجريح، إن كانت جراح، وأبصر الرحل؟ فقال: أخرجي على بركة الله» ولما أصيب سعد بن معاذ رضي الله عنه يوم الخندق قال النبي صلى الله عليه وسلم اجعلوه في خيمة رفيدة التي في المسجد حتى أعود من قريب .. وكانت رفيدة هذه امرأة تداوي الجرحى وتحبس نفسها على خدمة من كان في ضيعة من المسلمين وكانت لها أخت تسمى كعبية تساعدها على ذلك العمل النبيل.
أما القيام على أهل المجاهد وكفالة أبنائه فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك: «من خلف غازيا في أهله بخير فقد غزا» وقال: «من