دعوة الحق س2 - ع6 - مارس1959 ................... ص71
في النقد الأدبي: على هامش مقال "شعر أبي العباس الجراوي"
بقلم: محمد محمود الجبوري
أهدى إلي أحد الإخوان العدد الأول من أعداد السنة الثانية من مجلة دعوة الحق الغراء، ولم يكن ذلك أول عهدي بهذه المجلة، فقد أهدت إلي السفارة المغربية وأنا بغداد عددا منها لا أزال أحتفظ به واعتز. وما وقع العدد المذكور في يدي وبدأت أطالعه وأجتني غرره حتى أدركت أن كتاب اليوم ككتاب الأمس قد ضم نتاج جهابذة العلم وصيارفة الأدب وصفوة من فضلاء العصر في ميدان الكتابة وسجل الأفكار. وازددت يقينا بأن مغرب العرب كمشرقهم ما زال معينه يتفتق حكمة وبيانا. وقد وقفت عند مقال قيم لأستاذ فاضل تنبئك سطوره عن سريرته الحية في إنصاف شاعر خفيت طائفة من أشعاره عن الناس، ورأيت أنني أستطيع أن أشارك في هذا الإنصاف مشاركة طفيفة إلا أنها لا تخلو من فائدة. ولهذا أكتب تعليقي، ولست أقصد به سوى تلمس الحقيقة على سنن النقد النزيه. وأسال الله تعالى أن يأخذ بأيدينا إلى محجة الصواب في خدمة تراثنا العربي.
جاء في الصفحة العشرين من العدد المذكور مقال للأستاذ محمد بن تاويت عنوانه «شعر أبي العباس الجراوي» يثبت فيه كاتبه ما لم يثبته صديقه العلامة السيد محمد الفاسي في محاضرة سبق أن ألقاها.
يعلق الأستاذ على البيت الآتي (ص:21):
ملئت به الدنيا صفاء بعدما ملئت من الأقذار والأكدار
فيقول: «بالأصل: «الأقداء». فلعل الصواب ما أثبتناه لينسجم مع الأكدار أو تكون الكلمة (الاقذاء) بالمعجمة.
والذي أقوله أنه لم يوفق بكلمة (الأقذار) فإن كلمة الأقذاء أصوب منها وأكثر انسجاما في البيت كما أنها أرق لفظا وأحلى جرسا وأدنى للمعنى الذي يريده الشاعر. وقد قال بشار بن برد:
إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه
وهي في الوقت نفسه أقرب إلى ما وردت به «الأقذاء».
ويذكر في الصفحة ذاتها البيت الآتي:
اهنأ أمير الهدى بالعدل منبسطا والدين منتظم والكفر أشتات
ويعلق عليه بقوله «بالأصل: منبسط مع أنه حال لا يجوز رفعه إلا في لغة شاذة معتبرة في مثل هذا التركيب أن الجملة حالية حذف منها المبتدأ».
والذي أقوله أنه لا حاجة للتمرغ في حسك النحو لنحور ونبدل ما نشاء. ألا ترى أن التصحيف فيه ظاهر لا غبار عليه. اقرأ البيت بالصورة التالية:
اهنأ إمام الهدى فالعدل منبسط والدين منتظم والكفر أشتات
ثم يذكر الأستاذ في الصفحة الثانية والعشرين أبياتا منها:
لمن الخيول كأنهن سيول غصت بهن سباسب وجهول
طويت لها الدنيا فابعد ما انتحت دان وأبطأ سيرها تحجيل
حتى قوله:
فصهيلها محض الثناء وإن يكن لا يفهم الأقوام منها صهيل