دعوة الحق س2،ع6 مارس1959 ................... ص70
أريد في هذا الصباح
بقلم: محمد الصباغ
أريد في هذا الصباح أن لا أفكر في شيء، ولا أكتب شيئا.
أريد في هذا الصباح أن لا أتقيد بأي عمل، أو عادة، أو موعد، أو زيارة، أو تحية أحد.
أريد في هذا الصباح أن أكون ... أن أكون ... ماذا أكون ... ؟
لا أريد أن أكون شيئا.
أريد في هذا الصباح أن أقطن أحلام ليلتي الماضية، واضعها باقة فوق مائدتي، أو أقدمها هدية إلى فتاة لا أعرفها، ولكنني اشعر بها الآن متجهة إلى المقابر لزيارة أمها.
أريد أن أنسى أني موجود، وأن حياتي ابتدأت منذ ثلاثين سنة، ولها مع الزمن موعد محدد.
ما أجمل أن أرى الضباب يغمرني، ويغمر كل شيء من حولي، حتى الوجود، وكل في الوجود. فلا حدود ولا إبعاد، ولا إحجام ولا أوزان، ولا فوق ولا تحت، ولا شمال ولا جنوب.
ما أجمل أن أقول والضباب يغمرني:
«كم الساعة الآن؟» «ما اسم هذا اليوم وما هو تاريخه؟»
«أين أنا؟» «ما اسم هذا المطلق العجيب برماد جدرانه، وسكانه وحدائقه؟».
يحلو لي الآن أن اسمي الأسماء بغير أسمائها.
فالجبال: مرافئ النجوم، والبحار أشرعة الثلوج، والفراشات وشمات النسيم.
يحلو لي أن أقول لك مثلا:
«إن أصابعك براعم القطن أو الرماد. فحذار أن تذيبها في مجرى الهواء، وأن حديقتك من نقش الشمس والندى، فأقطن منها سمر الضوء، والنجم والأريج.
أريد أن تكون أنت أنا لتفهمني في هذا الصباح دون أن أفكر، أو أناديك، أو أكتب شيئا.
أريد ولا أريد!
أريد أن تعرف كما عرفت في هذا الصباح: أن فيك كرمة تتدلى عناقيدها من عريش أصابعك، وأن جذورها ممتدة في تربتي وتربة أصدقائي فأنا عطشان دون عطش خمرتها، كما عرفت أن من ورائك جدولا ترعى إزباده في لسانك، ولسان أصدقائنا وجيراننا.
أريد لا أريد منك شيئا!
أريد أن تفهمني بدون تفكير، أو تعبير مني كما يفهمني هذا الصباح.