دعوة الحق س2، ع6 مارس1959 ................... ص54
من شعر الكفاح: كأنك من كل القلوب مكون
للأديب العلامة: محمد المختار السوسي
يعاب على الأدب المغربي المعاصر أنه «أدب أبراج» وأن الأديب المغربي يكتفي بالتغني بخوالجه وإحساساته الفردية وكأنه لا يعيش الكفاح الوطني المجيد الذي خاضه شعبه ووطنه منذ نحو من أربعين سنة! ولكن ذلك ليس صحيحا كل الصحة، فقد خاض الأدب في المغرب معركة التحرير والمقاومة بجميع ألوانها، إما مواكبا لها، أو متقدما عليها، يمهد لها الطريق ويفسح لها المجال.
وهذه للقصيدة التي نعيد نشرها قالها صاحبها منذ أزيد من عشرين سنة في رثاء شاب وطني من «سلا» لم يكن يحمل مسدسا أو رشاشا، لأن أسلوب الكفاح لم يكن قد عرف بعد المسدسات والرشاشات، وإنما كان يحمل قلبا عامرا بالإيمان والغيرة الوطنية.
وكانت حركة المقاومة إذ ذاك تكتسي صبغة الإصلاح الديني والخلقي، بقدر ما كان الاستعمار يستهدف القضاء على روح الدين ونشر الميع والانحلال بين الشبان المغاربة، وذلك ما حدا بالشاب المذكور إلى اقتحام الحانات وإتلاف ما بها من خمر، تحديا لإرادة الاستعمار، ووقوفا في وجه أغراضه الدنيئة. وكان من الطبيعي أن يعرف الفقيد السجن، وان يذوق ألوانا من الأذى والاضطهاد، إلى أن غادره وهو يحمل بين جنبيه داءه الذي أودى بحياته، فبكاه المغرب كله لما كان معروفا به من غيرة وطنية وخلق جميل.
والقصيدة التي نقدمها اليوم- وكانت قد نشرت في حينها بجريدة «المغرب» بنفس العنوان، وبدون إمضاء- تصور كفاح الفقيد ومرضه وموته تصويرا صادقا يبعث على الإعجاب.
وقد قدمت جريدة «المغرب» إذ ذاك للقصيدة بمقدمة نقتطف منها ما يلي:
«صاحب هذه القصيدة شاعر كبير، معروف بفيض العاطفة وصدق الشعور، وهو ضنين بشعره فلا ينشره بين الناس ولا يرد أن تكون له أبواق تذيعه، وإنما يكتفي بطائفة خاصة من مريديه يتلو عليهم أشجى ألحانه وصدى نفسه، ثم يطوي ذلك ويدسه بين الأوراق.».
ذلك ما قالته جريدة «المغرب» منذ أكثر من عشرين سنة، وهو ما يزال حقا واقعا حتى اليوم
حييت وإن ارمست يا طيب الذكر *** وخلدت خلدا باقيا أمد الدهر
ظفرت- كما قد كنت تظفر دائما- *** بأحدوثة ما أن تزال إلى الحشر
وهل كنت إلا زهرة طاب نشرها *** فزاد لها التقطير نشرا إلى نشر
وقد كنت ريحان القلوب جميعها *** أنت فيها الآن، لا في حشا القبر
كأنك من كل القلوب مكون! *** فأي فؤاد لم يضمك في الصدر؟
عرفت عزوفا تسف إلى الثرى *** فبوئت ما بين الترائب والنحر