دعوة الحق س2، ع6 مارس1959 ................... ص49
عالم إدريس سارق مقال: "الوحدة العربية وتوافر مقوماتها"
قبل كل شيء، لولا أنني احترم هذه المجلة كثيران ولولا أنني لم ابدأ هذا المقال إلا بعد مرور مدة على اكتشاف هذه الفضيحة، وغلا بعد أن كانت الثورة التي وجدتها في نفسي كرد فعل لهذا العمل المخزي، قد هدأتن لولا كل ذلك لما اكتفيت بهذا العنوان الهادئ المتواضع، بالرغم مما يبدو فيه من وضوح ومواجهة بالحقيقة.
أننا مطالبون باصطناع شيء من الحلم، ولكننا مطالبون كذلك بالإخلاص للحقيقة ونصرتها والدفاع عنها. وكل ذلك لا يتم إلا بالضرب على أيدي المزيفين، وموتى الضمير، وعديمي الحياء، من أمثال السيد (عالم إدريس)
ورحم الله الشاعر الذي كان يقول:
ووضع الندى في موضع السيف، بالعلا
مضر، كوضع السيف في موضع الندى
*
والآن، لنبدأ القصة من أولها:
كنت في مكتبي في أواخر شهر دجنبر الماضي، منهمكا في الترتيبات الأخيرة لصدور العدد الثالث من السنة الثانية لهذه المجلة، عندما استؤذن علي لشخص يدعى: (عالم إدريس) ويشتغل (معلما بعض المدارس الثانوي) حسبما كتب هو نفسه على بطاقة الاستئذان.
ودخل علي في مكتبي (عالم إدريس) هذا، فإذا هو شاب، على شيء من الوجاهة في المظهر، والأناقة في الملبس، ويبدو أنه كان محتفلا للمناسبة-يتصنع الرجولة، ويتحدث- متظاهرا بشيء من الثقة- في الشؤون الفكرية والأدبية، ويندب في حرارة حظ أمته المتخلف في هذه الميادين.
وتطرق الحديث إلى المجلة فتكلم عنها (عالم إدريس) بإعجاب كبير، وتمنى أن يفسح له المجال للمشاركة فيها بالكتابة خدمة لامته ووطنه، ومساهمة في العمل من أجل النهوض بالمستوى الفكري في هذه البلاد.
لم يسعني إلا الترحيب بهذه الروح «الطيبة» فشكرت السيد (عالم إدريس) وأكدت له أنه سيجد من هيئة المجلة كل استعداد للتعاون. وهنا مد السيد (عالم إدريس) يده إلى المحفظة التي كان يتأبطها، وأخرج منها في كثير من الأناة وهدوء الأعصاب، مقالا بعنوان (الوحدة العربية وتوافر مقوماتها) وتناولت المقال أتصفحه، فإذا هو مكتوب بخط واضح جميل، وقرأت فقرات منه، فإذا بي أمام أسلوب جيد ومعلومات قيمة، ثم مضيت في تصفح المقال إلى نهايته، حيث وضع السيد (عالم إدريس) اسمه «الكريم» وبالقرب منه، كلمة: (يتبع) مما يدل على أن البحث لا يزال طويلا، وأن هذا ليس إلا القسم الأول منه.
ومضينا في الحديث، فأكد لي السيد (عالم إدريس) إنه مغرم جدا بالقراءة والكتابة، وأن هذا أول إنتاج ينشر له مع ذلك، ولكنه على استعداد منذ الآن لمواصلة الكتابة للمجلة إذا ما نشرت له القسم الأول من «بحثه» في العدد المقبل.